مَــــــــقَامَاتٌ عِـــــرْفَــانِيَّـةٌ

مجلـــة رقمية تعنى بشأن الطريقة التجانية.

أتباع الشيخ العارف بالله، القطب الرباني المكتوم , و الخاتم المحمدي المعلوم، سيدي أبي العباس أحمد التيجاني رضي الله عنه. 

المدير المسئول :
الأستاذ : إبراهيم الوراق التجاني

elourak_tijani@hotmail.com


حقيقة الزهد والعلاج النفسي

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 3 مايو 2008 الساعة: 12:23 م

حقيقة الزهد والعلاج النفسي

عن الإمام علي (الزهد بين كلمتين من القرآن، قال الله لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه).
ليس من باب التدين إنما إنصافاً على العاقل المفكر أن يذعن ويتواضع أمام عبقرية علي بن أبي طالب وحكمته بل تفاصيل الحياة يخضع مقابل تجليات كلامه الواضح وفصله القاطع عند رسمه المستقبل وإخباره الماضي وإبداعه الحاضر.
وفي كلمته هذه من تحديد الزهد ضمن إطار لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وإن كان قد بينها لإفهام الناس معنى الزهد في هذه الدنيا وذلك بالهدوء وعدم الاهتياج فلا العُسر يبقى ولا اليُسر والمطلوب هو الصبر والشكر على كل حال.
وتنبيه الناس عن الفهم السلبي للزهد بالابتعاد عن نِعَمِ الله تعالى وطيباته وزينته التي أخرج لعباده، كما هم عليه بعض الجاهلين الذين يحاولون إبعاد المسلمين عن أي اهتمام بالأمور المادية الدنيوية مع ما فيها من المفاسد من قبيل فتح المجال لسيطرة الآخرين من أعداء الإسلام على خيرات المسلمين وبركاتهم ومنابعهم المادية الغنية التي قل مثلها في غير بلاد المسلمين، بل وأكثر من ذلك قد يصبح الشخص الغافل هذا إنساناً حيادياً تجاه سيطرة المستكبرين على الحكم أيضاً مادام التقمص بالحكم عندهم يعتبر لوناً من ألوان التمتع بالدنيا وشكلاً من أشكال طلب الجاه والذي لا يناسب الزاهدين مادام الزهد عبارةً عن أن لا يهمك من أكل الدنيا، كما ذكره أحد الأعلام، ونماذج أخرى كالذي يعزف على الزواج باعتباره شاغل عن عبادة الله تعالى وكالذي ترك إعالة أهله والتزم بيته للعبادة وغيرهم ممن أفرط في التزهد وسوء الفهم فصار كما يُقال:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التصوف الإسلامي والمصادر الاجنبية

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 3 مايو 2008 الساعة: 12:16 م

التصوف الإسلامي والمصادر الاجنبية

ان ما يمتلكه التصوف الإسلامي من بعد مركب ودعوة للحب جعله يُكَوّن أرضية مشتركة بينه وبين بقية الأديان والمعتقدات والفلسفات حتى ظن البعض ان مصدر التصوف أجنبي.
فهناك طائفة من المستشرقين رأوا ان التصوف الإسلامي من مصدر مسيحي أمثال
(
فون كريمرVon Kremer . وجولدز هير Coldeziher . ونيكلسون Niclson واوليري Oleary وغيرهم . ويستند القائلون بهذا الرأي الى حجتين :
الأولى : ما وجد من صلات بين العرب والنصارى في الجاهلية او الإسلام .
الثانية : ما يلاحظ من أوجه الشبه بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة وبين ما يقابل هذا في حياة السيد المسيح وأقواله ، والرهبان وطرقهم في العبادة والملبس (1).
ولكننا نجد ونيكلسون نفسه في كتابه ( تاريخ العرب الأدبي ) يقول : انه لا ضرورة للتحري عن اصل مبادئ الصوفية خارج دائرة الإسلام ويعتبر إن المسيحية على حين انها أثرت في التصوف الا أنها ليست مصدرا له . لان الزهد الذي قام عليه التصوف هو نفسه إسلامي بحت .
والجدير بالذكر ان الصلاة التي أشار إليها أوليري ونيكلسون بين زهاد المسلمين وزهاد المسيحيين ورهبانهم بعد الإسلام . فهي أيضا ليست جديدة حيث يمكن ردها الى مصدر إسلامي .
فقد امتدح القرآن الكريم حال الرهبان والقساوسة وأثنى على مدى تأثرهم بما انزل على الرسول من الحق حيث يقول تعالى : لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.
ونحن لا ننكر استخدام بعض الصوفيين أصحاب الفلسفة اصطلاحات مسيحية مثل :
(
الكلمة ، اللاهوت ، الناسوت ) . مما ورد عن الحلاج . ولكن هذا لم يظهر الا في وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري ) بعد ان كان زهد المتصوفة وخطهم قد اتخذ مساره في القرن الأول والثاني الهجري وأصبح دعامة وأساس لكل تصوف لاحق .
وهناك من المستشرقين من رأى ان التصوف الإسلامي أصله هندي أمثال هورتن Horten وهارتمان Hartmann(2) وقد ساقوا مجموعة حجج مثل :
1.
إن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية فلما دخل اهلها الاسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة .
2.
ان المسلمين انفسهم يعتقدون بوجود هذا الاثر الهندي .
وهو يستند في هذا الكلام على ما عقده البيروني في كتابه ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة ) علما انها لا تمثل سوى مقارنة بين عقائد الهنود وعقائد صوفية الاسلام من منظار شخصي . كما ان هذا الادعاء قد فنده المستشرق الكبير
(
نيكلسون ) حيث قال : ( ان التشابه بين المذاهب لا يعني بالضرورة أخذ احداهما من الاخر فالوصول الى نتيجتين متشابهتين قد يأتي نتيجة لتطبيق نفس المنهج فهذا ليس بدليل ) .
ومن الجدير بالذكر ان الأثر الهندي لم يذكر عند الصوفية سوى عن طريق الإشارة التي ذكرها ابن سبعين الاندلسي المتوفى سنة ( 669 ) هجرية في رسالته في الذكر والتي تسمى ( الرسالة النورية ) والتي تعرض فيها لبعض من أذكار البراهمة الهنود(3) وكان البعض يقول ان التصوف أصله فارسي والآخر يقول أصله يوناني ومنهم من يقول بوذي الى اخر تلك القائمة ولكن الدراسات التي قدمها باحثين امثال نيكلسون وهي بعنوان :
(
في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة للبرعي ولحفيده في مدح الشيخ التجاني ض

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 1 مايو 2008 الساعة: 12:49 م

الشيخ أحمد التجاني

التجاني التجاني أثمر فرعو جاني التجاني
يا من لا له ثاني ** ندعوك بالمثاني
بألفي غارو ثاني ** صن قلبي ولساني
جود يا من تراني ** واغسل وامحى راني
يا من قد براني ** زيل هما براني
بيك مقبول بياني ** ينشر في الكيان
نكرم سر عيان ** بالعمل البياني
بنظم في التجاني ** أبحبا شجاني
للناس فرعو جاني ** غيرواسطة ولجان
أكتب يا بناني ** سيرة الما أناني
الوارث الكناني ** سيد غرف الجنان
ذاك قطب الأوان ** فاق عدو السواني
كم غسل أواني ** أرشد غير تواني
أستاذ الضمان ** والخير والأمان
ضوى دجى الزمان ** من فاس لي عمان
أبحبا دعاني ** أنظم در معاني
بيك المستعان ** أكرمني ورعاني
أبسوحا مزان ** بإقامة وأذان
نور بصري وآذاني ** كم هدى طرقه زاني
صلوات كالجمان ** للنبي نور زماني

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سيرة الشيخ البرعي

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 1 مايو 2008 الساعة: 12:48 م

بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الشيخ البرعي

 

(الزريبة) قرية سودانية تقع في منتصف خريطة السودان الجغرافية، وتتبع لولاية شمال كردفان، وتقع شمال شرق مدينة الأبيض وتبعد عنها بحوالي 100 كيلو متر، كما تقع جنوب غرب مدينة الخرطوم وتبعد عنها بحوالي 300 كلم.
في هذه القرية الصغيرة النائية ولد العارف بالله سيدي الشيخ عبد الرحيم البرعي في العام 1923م.
كان والده الشيخ محمد وقيع الله قطبا من أقطاب التصوف وشيخا عارفا بالله تعالى، وداعيا إلى الله وفق المنهج الصوفي الذي تربى عليه في كنف الطريقة السمانية التي أخذها وتلقى آدابها على يد العارف بالله الشيخ عمر الصافي (شيخ الكريدة)، وبعد إجازته شيخا في هذه الطريقة قام بتأسيس مسيد الزريبة في نهايات القرن التاسع عشر.
وفي هذا المسيد ولد الشيخ البرعي في رحاب الذكر والقرآن والإنفاق في سبيل الله والتجرد والإخلاص في عبادة الواحد الأحد والدعوة إليه على بصيرة.
وحينما بلغ سن التعليم التحق رضي الله عنه بخلوة والده طالبا للقرآن الكريم على يد الفقيه ميرغني عبد الله، فكان تلميذا نجيبا تبدت عليه ملامح الذكاء وقوة الفهم وسرعة الحفظ، واستطاع في وقت مبكر دراسة القرآن الكريم دراسة واعية ومتعمقة في فهم معانيه ومتابعة أسراره العظيمة التي تتجلى له في أحاديث والده وتفسيره للقرآن الكريم في مجالسه اليومية.
بعد دراسة القرآن الكريم انتقل الشيخ البرعي رضي الله عنه إلى دراسة العلوم الدينية على والده الشيخ محمد رضي الله عنه، وكان يقرأ على والده نصوص الكتب العلمية ويتلقى الشروح من أبيه.
وقد تعددت المعارف التي تعلمها على والده، فعلى كثرة ما استوعب منه العظات والدروس التي كان يلقيها على عامة رواد سوحه الكثر في مجالسه العامة، إلا أن الشيخ البرعي رحمه الله درس على والده عددا من العلوم ونذكر منها على سبيل المثال تفسير القرآن الكريم وبعض صحاح كتب السنة النبوية، وكذلك كتب الفقه المالكي والسيرة النبوية وغير ذلك من العلوم الشرعية.
إضافة لذلك فقد أخذ الشيخ البرعي الطريقة السمانية على والده رضي الله عنه وتأدب بآدابها وعمل بأورادها ووظائفها المختلفة من قيام الليل وصوم النهار والجد والاجتهاد في طاعة الله تعالى، ونحا في ذلك نحوا متميزا آخر وهو الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان يتلو كتاب دلائل الخيرات في اليوم الواحد اثنا عشر مرة بمعنى أنه يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ساعة يوميا، ومما حكاه أنه في عهد صباه كان ممسكا بهذا الكتاب أمام والده فسأله عنه فقال له إنه دلائل الخيرات فقال له والده: وأين دلائل خيراتك أنت؟ بمعنى لماذا لا تؤلف أنت كتابا في الصلاة على رسول الله بدلا من قراءة مؤلفات الآخرين؟ .
وهذا بالضبط ما دعا الشيخ البرعي إلى كتابة المدائح النبوية التي اشتهر بها فيما بعد، فكتب آلاف المدائح التي لم يسبقه إليها شاعر مديح نبوي من قبل على الأقل من حيث الكم مع التميز النوعي لأشعاره والذي يشاركه فيه غيره من شعراء مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم.
تقلد الشيخ البرعي خلافة والده الذي توفي في عام 1944م، وكان عمره وقتذاك 21 سنة.
وحال تقلده الخلافة أخذ رضي الله عنه ينظر إلى الأمام، وقد ساعده صغر سنه وقوة شبابه ونظرته الثاقبة وهمته العالية وثقته في الله وإخلاصه في العمل، على إعداد خطة بعيدة المدى تنفذ خطوة خطوة ليخرج من إطار الزريبة القرية الصغيرة النائية إلى فضاء العالم الرحب.
فبدأ بتطوير مسيد الزريبة وبناء مرافقه بالمواد الثابتة بدلا من مباني (القش) البدائية التي كانت تتيحها بيئة المنطقة الرملية القاحلة مع بعدها عن الأماكن الحضرية التي تتوفر فيها مواد البناء الحديثة واليد العاملة في هذا المجال.
وكانت هناك كثير من المعوقات التي تجعل من فكرة التطوير أمرا مستحيلا نسبة لانعدام الماء الذي يستجلب من الآبار البدائية بالدلو، وكذلك انعدام المواصلات في تلك الأماكن فوسيلة المواصلات الوحيدة المتوفرة في ذلك الحين هي الدواب، والتي استخدمها الشيخ البرعي في جلب الحجارة من جبل يبعد عن الزريبة بحوالي 30كلم لبناء المسجد، وكانت الإبل التي اختارها الشيخ ليرمز بها لسور القرآن الكريم في قصيدته الشهيرة (إبلي المشرفات)، كانت هي الوسيلة الوحيدة التي يستجلب بها الشيخ مواد البناء والتي كان يشتريها الشيخ من الخرطوم وينقلها بالقطار إلى أم روابة ومنها بالدواب إلى الزريبة.
وهكذا بهذه العزيمة وتلك المشقة استطاع الشيخ البرعي أن يبدأ أولى

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البرعي

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 1 مايو 2008 الساعة: 12:37 م

إمامنا البرعي
أشهدت ربي لا أطيق فراقا ** ولذاك أزمعت الغداة لحاقا
فالشوق أرقني وأحرق مهجتي ** وحنين قلبي قد غدا دفاقا
ولهيب شار الشوق لا يسطيعه ** جسمي النحيل المصطلى إحراقا
كيف التخلف عن لحاق احبة ** تهفو النفوس لوصلهم اشواقا
إن غادرت أشباحهم عنا فهم ** ما فارقوا أرواحنا إطلاقا
هم روح جسمي بل هم ريحانه ** قد أصبحوا لسقامنا ترياقا
وهم الصلاح هم الفلاح هم التقى ** وهم الألى قد أنفقوا إنفاقا
وهم ضياء الكون بل هم شمسه ** تهدي لنا من حسنها إشراقا
وهم البدور تضئ غاسق ليلنا ** نمسي لساطع نورها عشاقا
كانوا وما زالوا مثالا يحتذى ** للمكرمات يعانقون عناقا
مستمسكين بربهم وكتابه** وبذكره شربوا الكؤوس دهاقا
ما خالفوا منهاجهم كلا ولا ** لزموا سواه طريقة ورواقا
ما زال دأبهم التواضع والسخا ** يستمرؤون الصوم والإرهاقا
كإمامنا ودليلنا نحو التقى ** برعي الذي وسع الورى أخلاقا
العارف المتمكن الفذ الذي ** بركاته قد عمت الآفاقا
قد زانه حلم وعلم واسع ** ومكارم قد أغدقت إغداقا
وفصاحة ونصاحة ورجاحة ** في العقل أوسع رقعة ونطاقا
وبراعة ووراعة وشجاعة ** قد نال منها مغنما وخلاقا
وكثير إحسان وبر جوده ** يستبدل الإعسار والإملاقا
ما حاد يوما عن سلوك طريقه ** أبدا ولم يك يخلط الأوراقا
ينحاز للمستضعفين وبيته ** يؤويهم ويقدم الأطباقا
ويعين مرضاهم ويصلح شأنهم ** يحنو عليهم قلبه إشفاقا
حلو الحديث مهذب متواضع ** أمسى له كل الأنام رفاقا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الموقف الصوفي من مبحث العلم والدين في الإسلام، تجاوز العقل أم إلغاء العقل؟

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 27 أبريل 2008 الساعة: 19:52 م

الموقف الصوفي من مبحث العلم والدين في الإسلام، تجاوز العقل أم إلغاء العقل؟

يونس إريك جوفروا

 

لا توجد في الإسلام سلطة عليا تعرف العقيدة وتحدد تفسيرها بطريقة نهائية

إريك يونس جوفروا، أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة ستراسبورج الفرنسية، هو واحد من أعلام الفكر الإسلامي الفرنسي، ومن رواد حركة التجديد الفكري في البلد، بما أسس لتيار يمثل التعددية الثقافية ويقبل الإسلام كجزء مكون من التركيبة الحضارية للدولة الوطنية الفرنسية. وهو كفرنسي مسلم يقدم لنموذج على درجة من الدلالة عن إمكانية تطبيق الإسلام في كل زمان ومكان وصلاحيته لكافة البشر، خاصة وأنه أختار طريقه للإسلام وفق قناعة عقلانية وروحية لدُنية يسميها الفطرة التي فطر الإنسان عليها. في هذا الحوار نتناول معه مفهومه للعقل والكشف والمصالحة الممكنة بين العلم والدين في سياق المبحث المعرفي الإسلامي المعاصر.

- شكل العقل في القرن التّاسع عشر حجر الزاوية لنموذج المعرفة العلميّة الغربيّة، كما كانت العلموية إحدى نقاط الذروة لما سمي بالعقلانيّة. والتي كانت ترى أن البشر والعالم والطّبيعة ليست، في نهاية المطاف، إلا حقائق مادية بحتة، بما يجعل منها أشياء قابلة للفهم العلمي التام. لقد تخلى البحث العلمي اليوم، عن هذا المفهوم الاختزالي؛ وصار الكثير من الباحثين؛ مثل الفيزيائي برنارد ديسبانياتيتبنون، أو عالم فيزياء الفلك الفرنسي المسلم عبدالحق برينو كيدردوني، يتبنون بالأحرى التمييز بين الحقيقة الظاهرية (التي يمكن أن تفهم بواسطة العقلانية المنطقية للعلم) والحقيقة المستورة (التي تخرج عن نطاق العقلانيّة تماما). فكيف طُرِحَتْ مسألة استخدام العقل في سياق الفكر الإسلامي في القرون الوسطى، وما هي مقاربات الحساسيات الصوفية بشكل خاص في هذا الشأن؟

  إيريك يونس جوفروا: غالبا ما أكّد صوفيو الإسلام على عجز العقل البشري، فهم يسعدون بذكر أن المصطلح العربيّ »عقل« يعني اصطلاحا القيد والربط. وكان أحد مشايخ الشام في القرن السادس عشر قد كتب متلاعبا بالكلمات إن: »الفقهاء معقولون بعقولهم«. بالنسبة للمتصوفة، لا يتعلق الأمر برفض أداة العقل هذه تماما، ولكن بحصرها في مكانة نسبية ومحدودة وذلك مقارنة بهذا المطلق الذي يتخذ المسلم من الوصول إلى أنواره هدفاً له. وهم بذلك، يتميزون عن أهل الظاهر، ويلومونهم على تحديد نطاق مصطلح (العلم) بالمجالين التّقليديين: »المعقول« (ناتج التفكير المنطقي) و»المنقول« (المدوّنة المتوارثة جيلا بعد جيل). ويشدد الصوفية، بشكل خاص، على كون المعرفة التي يعتمدها أهل المتكلمين تعتمد بالأساس على رؤية »بشرية، بل مغرقة في البشرية«، ويمثل علم الكلام العقلاني عندهم مجرد معرفة تستند إلى الظن وهو نقيض اليقين الذي يتيحه التأمل. إن لغز الوحدانية الإلهية بالنسبة للصوفية لا يوصف. ليس من مقدرة الإنسان الحديث عن الذات الإلهية لأنّ التصور الذي يحمله عنها دون الواقع بالضرورة. وقد ذم المتصوف الشاذلي المصري علي وفاء، الفقهاء بالعبارات التالية: »أيّها الفقيه، إنك بالمعقول غافل عن الحقيقة، ولا تنجو من المعنى الظاهر للمنقول«. وقد طوّر متصوّفة المدرسة البغدادية منذ القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي التوحيد الصوفي، الذي سماه الجنيد »توحيد الصفوة الروحية«. والذي أسس لتيار بديل عن البحث الكلامي، لأن مداه ملهم له: إن عقيدة الوحدة الإلهية، أو التوحيد الظاهري، تستحيل مع المسار التلقيني إلى تحقق فعلي لهذه الوحدانية. ألم يؤكد الشيخ الدمشقي تلميذ ابن عربي، القطب عبد الغني النابلسي على استحالة معرفة الوجود، بمعنى الله، بالاعتماد على النظر وحده؟ من وجهة النظر هذه، فإن الصوفيين ينتمون إلى المنظومة السنية، التي ترفض الفلسفة الإغريقيّة، لأنها تعطي الأفضلية للعقل على الوحي: ويتفق أهل الظاهر وأهل الباطن من السنّة على هذه النّقطة. إن مدرسة الاعتزال التي أنكرت كرامات الأولياء بسببٍ فرضيّاتها المنطقية، هي أيضا مستهدفة. فأبو الحسن الشاذلي عندما يؤكد أن أهل الجدال - »هؤلاء المغرمون بالاستدلال والمجادلة«- يمثلون أشد المعارضين للمتصوفة وللولاية، إنما يقصد علماء الكلام، وبالتحديد المعتزلة. كما أكد الصوفيون أن بعض المسائل الكلامية لا يمكن حلّها إلا عن طريق الكشف الروحي كنسبة الفعل الإنساني إلى الله أو إلى الإنسان (كسب الأفعال). كما نجد أمثلة عديدة أخرى في المصادر عن أجوبة حول مسائل كلامية بواسطة الإلهام وليس الاستدلال.

- ما يطرحه هذا التيار الزهدي في الإسلام، هو إذن تجاوز العقل لا إلغاؤه؟

  إيريك يونس جوفروا: إن مبحث ما وراء العقل، الذي يقول به المتصوفة هو آلية عميقة تساعد الفقهاء أنفسهم في توسيع نطاق رؤيتهم المحدودة في إطار نمط تفكير تحكمه الحسابية الصارمة. »فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المُحررة، فقد ضيّق رحمة الله الواسعة«. كما أكد الغزالي. بحيث نستنتج أن تجاوز العقل الاستدلالي هو جزء من المناهج التي اعتاد المتصوفة على اعتمادها. وبالنسبة لعماد الدين الواسِطي تلميذ ابن تيمية فإن هذا التجاوز يمثل مقدمة ضرورية لكل طريقة في التتلمذ.

ويقدم المتصوفة لمعارفهم، وهي أبعد من أن تكون علما تجريبيا، على أنها علم باطني تلقيني له قواعده وطرقه. غير أننا نحتاج للخوض في هذا المعنى لتحديد مصطلح »العلم« الذي يتبناه علماء الظاهر. فالمتصوفة يميّزون بين العلم الكسبي، الذي يطلق عليه إلى الآن «العلم النظري»، والعلم الوهبي. حيث يتخذ ابن خلدون على سبيل المثال، هذين النمطين من فهم العالم معيارا أساسيا في مقاربته للصوفية. فالمتصوفة - كما يقول - هم ورثة الخضر؛ والدخول إلى علوم التصوف (العلم اللدني والعلم الوهبي) يمر عبر كشف المعاني وعبر الإلهام. ولا يفعل إبن خلدون هنا أكثر من تقديم النظرية العامة للتصوّف، لكن وجبت الإشارة إلى أنه يأتي بعنصر مميز تبناه فيما بعد العديد من المؤلفين ممن جاءوا بعده. ذلك أنه أقرّ بالكشف الذي حصل عليه المتصوفة الأوائل، وهي منّة ظرفية ناتجة عن عقيدة صافية (استقامة)، ولكنه اعتبر المجهود المنهجي لمدرسة »وحدة الوجود« لابن عربي غير شرعي، ذلك المجهود الرامي لـ»كشف الحجاب« من أجل الوصول إلى الحقائق الإلهية. وبوضعه الكشف الكامل الصفاء والتلقائية في مقابل »مجاهدات الكشف أو المكاشفة«، فإن مؤلف »شفاء السائل« يوظف النظرية السهلة حول استقامة المتصوفة القدامى في مقابل شرود »المحدثين«، كابن عربي ونظرائه.

  وكيف يتم تحقق هذا الوعي إذا ما توقف دور العقل؟

  إيريك يونس جيوفروا: إن الطرائق المختلفة المتجاوزة للعقل لدى المتصوفة- كشف، إلهام، يقين - ظلت نظرية بالنسبة لنا إلى الآن. دعونا نتحدث الآن باختصار عن وجهين من وجوه التصوف الإسلامي، كان «مبحث تجاوز العقل» في سياقهما مفتاحاً للوعي اللدني:

الأول هو الشيخ الأميّ، والذي يشتق اسمه من كلمة «الأم»، وهو يُنْسَب إلى ما يُولد عليه أي على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه. وحالة الطفولة التي تميّزه تأتي بذاتها من بقائه على الفطرة، بمعنى »ما فَطَرَ الله عليه الخلقَ من المعرفة به« كما يقول ابن منظور في »لسان العرب«. فحالة الطفولة هذه تتيح للأميّ علما لا يصل إليه المتعلمون، أو على الأقل هؤلاء الذين لا يستطيعون فكاكا من علمهم المكتسب. ويتجسد النموذج الأمثل لذلك في النبي الأمي: «المُتقبّل البكر للوحي» الذي، وإن لم يكن قد أخذ الكتابة بحسب الاصطلاح والتعلم من الناس ، فقد تعلّمها بفضلٍ من «الفتح الرباني» الذي وهب له. ونحن هنا نعيد استعمال مصطلحات الوليّ المغربي الكبير عبدالعزيز الدباغ، كما رواها عنه مريده أحمد بن مبارك في كتابه الشهير «الإبريز

فـ «المتمتّع بعلم فطري» قد لا يجيد بالفعل القراءة

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصائد تجانية 1

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 20:30 م

اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم

جمعـت وجـوداً هيبـة وجـلالاً وأبصرت مـن ذا بهجـة وجمـالا
جمالـك أنـس هيبـة ومحـبـة فأنـت أتـم المرسليـن كـمـالا
وكلهـم حـاز المكـارم والـعـلا وما كالإمـام الهاشمـي خصـالا
محمد يـا خيـر الإنـام وسيلتـي حبـاك إلهـي مـا يفـوت مقـالا
وأنت وهبت البيض والسود فأنتحى إليـك خديـم رام منـك مـنـالا
وأعنيك خيـر العالميـن وسيلتـي منيلي لدى اليـوم الرهيـب نـوالا
وتيمني حبيـك صـرت مجمجمـا على البر والأجـوا أروم وصـالا
فغادرت أوطاني وأهلي وأسرتـي أجوب الفلا لـم أشـك قـد كـلالا
بكولـخ طـوراً أو بيـوف ومـرة بباريـس دار الفاسقيـن كـسـالا
ببلجيـك يـوم ثـم يومـاً تجـولا بقاهـرة أبغـي هنـاك جـمـالا
لعبد المليك القوم قد جئـت موهنـاً وما لندنـا أبغـي فهبهـا خيـالا
ببيروت أنحو الصين بالشرق خادماً رسول إله العـرش وهـو تعالـى
كراشي بها خلفـت أهـل مودتـي هم نصـروا ديـن النبـي فعـالا
قد اعتصموا بالحبل حبـل محمـد كبـاراً وأطفـالاً نسـاً ورجــالا
بدار علوم الدين أدركـت نزهتـي فقد شيـدت مجـداً يفـوق مقـالا
لمركـز انعـام الإلـه تشـوقـي فقد شـاد مجـداً إذ أتـاح مجـالا
بلاهـور بالهنـد القديـم عمـارة مسيري إلى المولى وجـل جـلالا
لهنكوك من بنكوك جـاء خديمكـم يوالي لك الأسفـارا وهـو أطـالا
بفارغ صبـر قـد أتـى متطفـلاً فحقـق رجـا عبـد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح ابن عطاء الله لقصيدة أبي مدين

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 19:02 م

واعلم أن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كما ترى .

لكن إذا ساعدتك العناية ظفرتَ وشمَمْتَ من نفحة طيبة ما يفوق المِسك الأذفر ، ولذلك قال رضي الله تعالى عنه وعنا به ، آمين :

واعلم بأن طريق القوم دارسة وحال من يدعيها اليوم كيف ترى

متى أراهم وأنى لي برؤيتهم أو تسمع الأذن مني عنهموا خبرا

من لي وأنى لمثلي أن يزاحمه م على موارد لم آلف بها كدرا

أحبم وأداريهم وأوثرهم بمهجتي وخصوصا منهم نفرا

شرع الشيخ رضي الله تعالى عنه يشوق السالك إلى طريق أهله ، ويخبرهم أن طريقهم دارسة ، وحال من يدعيها اليوم كما ترى في الفترة حتى كادت الهمم تكون من الطلب آيسة ، وهكذا شأن طريق القوم لعزتها ، كأنها في عصر مفقودة ، ولا يظفر بها إلا الفرد بعد الفرد ، وهذه سنة معهودة ، وذلك أن الجوهر النفيس لا يزال عزيز الوجود ، يكاد لعزته يُحكَم بأنه ليس موجود ، والطريق أهلها مخفية في العالم خفاء ليلة القدر في شهر رمضان ، وخفاء ساعة الجمعة في يومها حتى يجتهد الطالب في طلبه بقدر الإمكان ، فإن من جدَّ وَجَدَ ، ومن قرع الباب ولجَّ وَلجَ .

قلتُ : بعد أن ذكر لا بد من الشيخ في الطريق على سبيل السؤال والجواب كيف تأمرنا بذلك وقد قيل إن وجود الشيخ كالكبريت الأحمر وكالعنقاء ، من ذا الذي بوجودها يظفر ، كيف تأمرني بتحصيلِ مَن هذا شأنُهُ ، فقال : لو صدقتَ في الطلب وكنتَ في طلبه كالطفل والظمآن لا يقرُّ لهم قرار ولا تسكن لوعتهم حتى يظفروا بمقصودهم ، فأشار الشيخ رضي الله عنه إلى أن الشيخ موجود ، وكيف لا يكون موجودا وعمارة العالم بأمثاله ، فإن العالَمَ شخصٌ والأولياء روحه ، فما دام العالَم موجوداً لا بدَّ من وجودهم ، لكن لشدَّة خفائهم وعدم ظهورهم حكِم بفقدانهم .

فاجتهد واصدق في الطلب تجدِ المطلوب ، واستعِن على ذلك الطلب بمَدَدِ علام الغيوب ، فإن الظفر لا يحصل إلا بمجرد فضله . وإذا أوصلك إلى الشيخ فقد أوصلك إليه كما قلت في الحكم سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه .

ثم إن الشيخ رضي الله عنه ، كما ذكر عزة الطريق ، وفقدان أهلها شرع يتأسف على الإجتماع بهم ويتمناه ، ويستبعد من نفسه حصول ذلك ، والتشرف بلقائه تواضعا منه وانكساراً وهضماً لنفسه واحتقاراً . وهذا شأن العارف لنفسه بنفسه ، الممتلىء من معرفة ربه ، المتحلي بواردات قدسه ، لأنه لا يرى لنفسه حالا ولا مقالا ، بل يرى نفسه أقل من كل شيء وهو هو النظر التام ، كما قيل :

إذا زاد علم المرء زاد تواضعا وإن زاد جهل المرء زاد ترفعا

وفي الغصن عن حمل الثمار مناله فإن يَعرُ من حمل الثمار تمنعا

فانظر إلى الشيخ أبي مدين ورفعته في الطريق مع أنه وصل من تربيته اثنا عشر ألف مريد ، وانظر إلى هذا التنزل منه والتدلي بأغصان شجرة معرفته إلى أرض

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

شرح ابن عطاء لقصيدة ابي مدين

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 19:00 م

قال الشيخ العارف بالله القدرة المحقق تاج العارفين ، ولسان المتكلمين ، إمام وقته ، ووحيد عصره ، تاج الدين أبو الفضل أحمد ابن محمد بن عبدالكريم بن عطاءالله السكندري رضي الله عنه ونفعنا به ، آمين .

الحمد لله المنفرد بالخلق والتدبير ، الواحد في الحكم والتقدير ، الملك الذي ليس له في مُلكه وزير . المالك الذي لا يخرج عن مُلكه صغير ولا كبير، المتقدس في كمال وصفه عن الشبيه والنظير، المنزَّه في كمال ذاته عن التمثيل والتصوير ، العليم الذي لا يخفى عليه ما في الضمير ، { ألاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرْ } العَالِم الذي أحاط عِلمه بمَبادِئ الأمور ونهاياتها ، السميع الذي فضل في سمعه بين ظاهر الأصوات وخفاياها ، الرازق وهو المُنعم على الخليقة بإيصال أقواتها القيوم المتكفل بها في جميع حالاتها ، الوهاب وهو الذي منَّ على النفوس بوجود حياتها ، القدير وهو المعيد لها بعد وفاتها ، الحسيب وهو المُجازي لها يوم قدومها عليه بحسناتها وسيئاتها، فسبحانه من إله مَنَّ على العباد بالجُودِ قبل الوُجود ، وقام بهم بأرزاقهم على كلتا حالاتهم من إقرار وجحود ، ومَدَّ كل موجودٍ بوجودِ عطائِهِ ، وحفظ وجود العالم بإمداد بقائه ، وظهر بحكمته في أرضه وقدره في سمائه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عبدٍ مفوِّضٍ لقضائه ومسلِّمٍ له في حُكمِهِ وإمضائِهِ ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المفَضَّل على جميع أنبيائه ، المخصوص بجزيل فضله وعطائه ، الفاتح الخاتم وليس ذلك لسواه ، الشافع لكل العباد حين يجمعهم الحق لِفصلِ قضائه ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه المستمسكين بولائه ، وسلم تسليما كثيراً .

إعلم يا أخي جعلك الله من أهل حُبِّه ، وأتحفك بوجود قربه ، وأذاقك من شراب أهل وُدِّهِ ، وأمِنكَ بدوام وصْلتِهِ من إعراضه وصَدِّهِ ، ووصَلك بعباده الذين خَصَّهم بمراسلاته ، وجَبَرَ كسرَ قلوبهم لما علموا أنه لا تدركه الأبصار لنور تجلياته ، وفتح لهم رياض القرب وهبَّ منها على قلوبهم واردات نفحاته ، أشهدهُم سابقَ تدبيرِهِ فيهم فسلمُوا إليه القياد وكشَفَ عن خفي لطفه في منعه فتركوا المنازعة والعناد ، فهم مستسلمون إليه ، ومتوكلون عليه .

أما بعد ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحشَر المَرءُ عَِلى دِينِ خَلِيلِهِ فليَنظُر أحُدُكم مَن يُخَالِل . فإذا علمت أيها الأخ الشقيق ، فلا تخالل إلا من ينهضك حالهُ ، ويَدُلك على الله مقالهُ ، وذلك هو الفقير المتجرِّد عن السِّوى ، المقبل على المولى ، فليست اللذة إلا مخاللته ، ولا السعادة إلا خدمته ومصاحبته ، فلذلك قال الشيخ العارف المتمكن أبو مدين رضي الله تعالى عنه.

مالذه العيش إلا صحبة الفقرا هم السلاطين و السادات والأمرا

أي ما لذة عَيشِ السالك في طريق مولاه إلا صحبة الفقراء ، والفقراء جمع فقير ، والفقير هو المتجرد عن العلائق ، المعرض عن العوائق لم يبق له قبلة و لا مقصد إلا الله تعالى ، وقد أعرض عن كل شيء سواه ، وتحقق بحقيقة لا إله إلا الله محمد رسول الله فمثل هذا مصاحبته تذيقك لذة الطريق ، وتريق في جميع فؤادك من شراب القوم أهنى رحيق ، ويعرفك الطريق ، ويقطع لك العقاب ويزيل عن قلبك التعويق ، وينهضك بهمَّتِهِ ويرفعك إلى أعلى الدرجات ، ومن كان كذلك فهو السلطان على الحقيقة ، والسيد على أهل الطريقة والأمير على أهل البصيرة .

فلا تخالف أيها السالك طريقه واجتهد أيها السالك المُجِدُّ في تحصيل هذا الرفيق ، وأصحبه وتأدب في مجالسه ، ويزيل عنك ببركة صحبته كل تعويق . كما قال رضي الله تعالى عنه :

فاصحبهموا وتأدب في مجالسهم وخل حظك مهما قدموك ورا

أي إصحب الفقراء ، وتأدب معهم في مجالستهم فإن الصحبة شبح ، والأدب روحها ، فإذا اجتمع لك بين الشبح والروح حُزتَ فائدة صحبته ، وإلا كانت صحبتك ميتة فأي فائدة ترجوها من الميت.

ومن أهم آداب الصحبة أن تخلف حظوظك وراءك ولا تكن همتك مصروفة إلا لإمتثال أوامرهم فعند ذلك يشكر مسعاك ، فإذا تخلقت بذلك فبادر واستغنم الحضور وأخلص في ذلك ترفع درجتك وتعلو همتك والقصور ، كما قال رضي الله عنه :

واستغنم الوقت واحضر دائما معهم واعلم بأن الرضا يختص من حضرا

أي واستغنم وقت صحبة الفقراء واحضر دائما معهم بقلبك وقالبك تسري إليك زوائدهم ، وتغمرك فوائدهم ، وينصح ظاهرك بالتأدب بآدابهم ، ويشرق باطنك بالتحلي بأنوارهم ، فإن من جالس جانس ، فإن جلست مع المحزون حزنت ، وإن جلست مع المسرور سُرِرت ، وإن جلست مع الغافلين سَرَت إليك الغفلة ، فإنهم القوم لا يشقى جليسهم ، فكيف يشقى خادمهم ومحبهم وأنيسهم وما أحسن ما قيل :

لي سادة من عزهم أقدامهم فوق الجباه

إن لم أكن منهم فلي في حبهم عِزٌ وجاه

واعلم أن هذا الرضا ، وهذا المقام يخص من حضر معهم بالتأدب ، وخرج عن نفسه ، وتحلى بالذلة والإنكسار ، فاخرج عنك إذا حضرت بين أيديهم ، وانطرح وانكسِر إذا حللت بناديهم فعند ذلك تذوق لذة الحضور ، واستعن على ذلك بملازمة الصَّمت ، تشرق لك أنوار الفرح ، ويغمرك السرور كما قال رضي الله عنه :

ولازم الصمت إلا إن سئلت فقل لا علم عندي وكن بالجهل مستترا

الصَّمت عند أهل الطريقة من لازمه ارتفع بنيانه ، وتمَّ غِراسه ، وهو نوعان : صمت باللسان وصمت بالجَنان وكلاهما لا بدَّ منه في الطريق فمن صمت قلبه ونطق لسانه نطق بالحكمة ، ومن صمت لسانه وصمت قلبه تجلى له سره ، وكلمه ربه ، وهذا غاية الصمت وكلام الشيخ قابل لذلك فالزم الصمت أيها السالك إلا إن سُئلت فإن سُئلتَ فارجع إلى أصلِك ووصلك وقل لا علم عندي واستتر بالجهل تشرق لك أنوار العلم اللدني ، فإنك مهما اعترفت بجهلك ورجعت إلى أصلِك لاحت لك معرفة نفسك ، فإذا عرفتها عرفت ربك ، كما روي في الحديث { مَن عَرفَ نفسَهُ عَرفَ رَبَّهُ } وكل ذلك من فوائد الصمت ولزوم آدابه ، فاصمت وتأدب ولازم الباب تكن من أحبابه ، وما أحسن ما قيل :

لا أبرح الباب حتى تصلحوا عوجي وتقبلوني على عيبي ونقصاني

فإن رضيتم فيا عزي ويا شرفي وإن أبيتم فمن أرجو لعصياني

فانهض أيها الأخ إلى باب مولاك بهمَّة علية ، وتحقق بعبوديتك تشرق عليك أنواره السنية ، كما أشار إلى ذلك الشيخ رضي الله عنه بقوله :

ولا ترَ العيب إلا فيك معتقدا عيباً بدا بيناً لكنه استترا

أي تحقق بأوصافك من فقرك وضعفك وعجزك وذلتك ، فإذا تحققت بأوصافك وشَهِدتْ لنفسك عيوبا لكنها مستترة ، فعند ذلك تحظى بظهور أوصاف مولاك فيك ، كما قيل سُبحانَ مَن سَترَ سِرَّ العُبُودية ، وأفهم من هنا سر معنى قوله تعالى [ سُبْحَانَ الذِي أسْرَى بِعَبدِهِ ] ولم يَقل برسوله ولا بنبيِّهِ ، أشار إلى ذلك المعنى الرفيع الذي لا ينال إلا من العبودية لذلك قيل :

لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي

فانكسِر أيها الأخ وانطرح بالطريق ولا ترَ لك حالا ، ولا مقالا يزل عنك كل تعويق ، واستغفر من كل ما يخطر بقلبك في عبوديتك وقمْ على قدمِ الإعتراف وأنصِفْ من نفسك تبلغ أعلى درجات المنازل وتغنى بشريتك كما قال رضي الله عنه :

وحط رأسك وأستغفر بلا سبب وقف على قدم الإنصاف معتذرا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قصيدة شيخ الشيوخ أبي مدين شعيب وتخميسها للشيخ الأكبر ابن عربي ض

كتبها أحباب الشيخ التجاني ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 18:53 م

هذه

قصيدة شيخ الشيوخ أبي مدين شعيب

قدس الله سره

وتخميسها

للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي محمد بن علي الحاتمي الطائي

الأندلسي المولود بمرسية في 27 من رمضان سنة 638

وشرحها

عنوان التوفيق في آداب الطريق

العارف بالله تاج الدين أحمد بن محمد عبد الكريم بن عطاء الله

السكندري قدس الله سره

يَا طالِباً مِن لَذاذاتِ الدُّنَا وَطَرا إذا أردتَّ جميع الخَير فيكَ يُرى

المُستشارُ أمينٌ فاسمَع الخَبرا مالِذَّةُ العَيشِ إلا صُحبة الفُقَرا

هُم السَّلاطِينُ والسَّاداتُ والأمَرا

قومٌ رَضُوا بيَسِيرٍ مِن مَلابسِهم والقُوتِ لا تخطُر الدنيا بهاجِسِهم

صُدورهُم خالِياتٍ مِن وسَاوِسِهم فاصْحِبهُموا وتَأدَّبْ في مَجالِسِهم

وخَلِّ حَظَّكَ مهْمَا قَدَّمُوكَ وَرَا

اسْلُك طريقَهموا إنْ كُنتَ تابِعهُم واتْرُك دعَاويكَ واحْذَرْ أن تراجعهم

فِيما يُريدونه واقصُد منافِعهُم واستغْنِم الوقتَ واحضُر دائماً معهم

واعلم بأنَّ الرِّضا يخْتَصُّ من حَضَرا

كُنْ راضِياً بهِمُوا تَسْمُ بهم وتَصِلْ إن أثبتُوكَ أقِمْ أو إنْ مَحَوكَ فَزُل

وإنْ أجاعوكَ جُعْ و إنْ أطعَمُوك فكُلْ ولازِمِ الصَّمتَ إلا إن سُئِلتَ فقُلْ

لا عِلْمَ عِندي وكنْ بالجَهل مَستتِرا

ولا تكُن لعُيوبِ الناس مُنتقِدا وإن يَكن ظاهِرا بين الوجود بدا

وانظُرْ بعَينِ كَمَالٍ لا تُعِبْ أحَدا ولا تَرَ العَيبَ إلا فيكَ مُعتقِدا

عَيباً بدا بيناً لكنه اسْتترا

تنلْ بذلِكَ ما ترجُوه من أدبٍ والنفسُ ذَلِّلْ لهم ذلاً بلا ريب

بلْ كلُّ ذلك ذُلٌّ نابَ عن أدبٍ وحُطَّ رَأسكَ واستغفِر بلا سبب

وقمْ على قدَمِ الإنصَافِ مُعتذِرا

إن شئتَ منهم بريْقاً للطريق تشمْ عن كلِّ ما يَكرهوهُ مِن فِعالكَ ذُم

والنفسُ منكَ على حُسنِ الفِعالِ أدِم وإنْ بَدا منكَ عَيبٌ فاعترفْ وأقِمْ

وَجْهَ اعتذاركَ عمَّا فيكَ مِنكَ جَرى

لهُم تملقْ وقلْ داوُوُ بصُلحِكُموا بمرْهَمِ العَفوِ مِنكمْ داء جرحِكمُوا

أنا المُسيءُ هِبُوا لي مَحضَ نِصْحِكمُوا وقلْ عُبيدكمُوا أولى بصَفحِكمُوا

فسَامِحُوا وخذوا بالرِّفقِ يا فقرا

لا تخشَ مِنهم إذا أذنَبتَ هِمَّتهُم أسنى وأعظَمُ أن تردِيكَ عِشرَتهُم

ليسوا جَبَابرة تؤذِيكَ سَطوَتهُم هُم بالتفضلِ أولى وهو شِيمَتهُم

فلا تخفْ دَرَكاً مِنهم ولا ضَرَرا

إذا أردتَّ بهم تسْلُكْ طَريقَ هُدى كنْ في الذي يَطلبُوه مِنكَ مُجتهِدا

في نور يومِكَ واحذَرْ أن تقول غداً وبالتغنِّي عَلى الإخوان جُدْ أبدا

حِساً ومَعنىً وغضَّ الطَّرفَ إن عَثرَا

أصدِقهُم الحَق لا تسْتعمِل الدنَسَا لأنهم أهْلُ صِدقٍ سادَةٌ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي