مَــــــــقَامَاتٌ عِـــــرْفَــانِيَّـةٌ

مجلـــة رقمية تعنى بشأن الطريقة التجانية.

أتباع الشيخ العارف بالله، القطب الرباني المكتوم , و الخاتم المحمدي المعلوم، سيدي أبي العباس أحمد التيجاني رضي الله عنه. 

المدير المسئول :
الأستاذ : إبراهيم الوراق التجاني

elourak_tijani@hotmail.com


حوار الروحانيات

كتبهاأحباب الشيخ التجاني ، في 15 يناير 2008 الساعة: 23:11 م

حوار الروحانيات

جمانة طه
جامعة دمشق / سورية

إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة وفي تجذير المحبة داخل النفوس البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبالغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحياة وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها. أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية من الرهافة والصداقة والأخوة ؟
لا شك في أن التطور البشري والتقدم الإنساني هما نتيجة تراكم معرفي تراثي وثقافي وعلمي، أسهم فيه العرب بقسط وافر وبناء حين كانوا في مرحلة سابقة سدنة العلم والثقافة والحضارة. وإذا كان العالم اليوم يعيش آخر مراحل هذا التقدم وهي مرحلة العصرنة التقنية والتحديث العلمي، فهذا لا يعني أنه استطاع أن يتخلص من التشوهات النفسية والاجتماعية وأن يعيش براحة ومثالية. بل على العكس زادت تشوهاته وسقط في بؤرة المادية التي سلبت منه ألق الروح ورهافة الإحساس.
فالتشوهات أصابت إنسان الحضارة الحديثة في عمقه الإنساني حتى تحول أو كاد إلى مخلوق لا يفكر إلا بغرائزه ولا يرى من الحياة غير جوانبها المادية، مما أدى به إلى انتهاج أسلوب الحروب والدمار، فما إن يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى. لذا نرى أن العالم من شرقه إلى غربه وعلى مختلف انتماءاته يعاني في هذه المرحلة من غياب القيم والأخلاق الإنسانية.
ونحن اليوم في العالم العربي أشد ما نكون حاجة إلى تمثل تراثنا الروحي واستنهاض المحبة في قلوبنا والحياة في أرواحنا. ولا سيما أن همجية الحروب المنظمة المزودة بالسلاح وبالإعلام وبالاقتصاد، تتناوشنا، تغزونا، وتحاول تخريب التراث وتهشيم الكبرياء وطمس الهوية والنيل من المعتقدات الدينية.
جاء في تاج العروس : الحوار في اللغة هو حديث يجري بين شخصين أو أكثر. والتحاور هو التجاوب، والحواريّ هو الحميم الناصح. ويمكن أن نضيف إلى هذه المعاني معنى آخر هو المعرفة، وذلك استدلالا من الحوار الذي بدأت الدعوة الإسلامية به، أي حوار جبريل مع النبي صلى الله تعالى عليه و سلموقوله له : اقرأ. أما الروح، فهي جمع أرواح : ما به حياة الأنفس، يذكر ويؤنث. والنسبة روحاني. يقول الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. (متفق عليه).
والروحية : تقابل المادية، وتقوم على إثبات الروح وسموها على المادة. والروحانيات تمثل نوعا من العلاج لمعاناة البشر وآلامهم، تقدم لهم الدفء وتشعرهم بالأنس والمودة. من هذه الترجمة البسيطة نخلص إلى أن الروح هي روح الخلق والحياة، وثمارها : "المحبة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والعفاف." 5 غلاطية : 22-23.
إن من يمعن النظر في ثمار الروح يستطيع أن يجملها بكلمة واحدة هي الجمال. فمن يملك روحا جميلة، وذاتا متحضرة لا بد أن تكون دواخله عامرة بالمحبة والإيثار والفرح والسلام واللطف والصلاح والعفاف. قد يتعذر على الباحث أن يحدد البدايات الأولى للحوار، لكن ليس من المتعذر عليه أن يتوصل إلى أن الحوار كقيمة إنسانية موجود بقوة في تراث الحضارات العالمية والديانات الوضعية. فبوذا على سبيل المثال، اتبع أسلوب المحاورة في نشر تعاليمه، وكان محبا للسلام ومتحمسا له. يدعو إلى ردّ السيئة بالحسنة والكراهية بالحب، وإلى إزالة الشر بالخير والتغلب على الغضب بالشفقة، ويزورُّ عن غلظة المعاملة ازورارا. وكان يرى أن النصر يولِّد المقت، لأن المهزوم في شقاء والكراهية لا تزول بكراهية مثلها، ولكنها تزول بالحب.1
وقد حض بوذا الإنسان على أن يحب كل كائن حي، حبا لا يرجو من ورائه غاية غير الحب. فإن هو فعل ذلك صار قريبا من نعيم النرفانا. والنرفانا هي حالة روحية تعني صفاء الروح واطمئنانها، تدعو إلى التخلي عن الغايات الشخصية التي تهبط بالحياة وتملؤها بالهم والشقاء. ولا يصل أحد إلى النرفانا إلا إذا انمحت ذاته من تفكيره. فكلما سار الإنسان خطوة في إنكار نفسه دنا منها، وكلما حصر تفكيره في نفسه بعد عنها. وكل ما في الحياة من ألوان الهم والشقاء مصدره الأنانية التي لا تشبع، وهذا العذاب الأليم الذي يشقى به الناس مرده إلى الأثرة الطامحة والشهوات الجامحة.2
وفي التراث المصري القديم، يوصي الحكيم بتاح حوتب ابنه بممارسة الحوار لما له من أهمية في التربية، فيقول : "إن الولد المطيع، عندما يتقدم في السن ويصل إلى درجة من الهيبة والاحترام، فإنه سيحاور أبناءه بنفس الطريقة التي تحاور فيها مع أبيه. والطفل الذي يحاور أهله، سيتحاور هو وأولاده". ويدعوه إلى أن يكون متواضعا ولا يتشاوف بمعارفه على الآخرين : "لا تدع قلبك يمتلىء عجبا وغرورا بسبب معارفك، خذ المشورة من الجاهل والحكيم على السواء. إن الكلام الطيب أكثر استتارا من الزمرد، ولكن يمكن العثور عليه مع الخادمات عند حجر الطاحون". في حين يوصي خيتي الثالث ابنه خيتي الرابع، بأن يكون رحيما كي يحبه الناس : "من الخير لك أن تكون رحيما. اجعل وكدك أن يقيم لك الناس تمثالا من الحب في قلوبهم. فإن فعلت فسيذكرون لك جميلك، ويدعون لك بالصحة وطول العمر".
في البداية وجد الإنسان صعوبة في اللقاء مع الآخرين، وفي معالجة القلق والخوف وإرساء قواعد سلامية تؤمن ديمومة التلاقي، خارج دائرة الصراع والتناحر ومنطق المحاذرة من الآخر للحفاظ على الذات. ومع الأيام أدرك أنه لا يستطيع أن يعيش بنفسه بعيدا عن غيره، أو بعيدا عن التواصل معه. وأدرك أيضا أن قضيته الكبرى تُختصر مع تشعباتها وتعقيداتها في مسألة واحدة:السلام. السلام مع الذات، والسلام مع الآخرين كشرط أساس للحصول على نوع من السعادة النسبية.
وإذا كانت الحضارة البشرية هي نتاج إبداع الإنسان، فإن المحبة الإنسانية هي خلاصة التعاليم الدينية. قال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل.
فقال رجل: من هم، وما أعمالهم ؟
قال : قوم يتحابون بروح الله عز وجل من غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها بينهم. والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس3. فالمحبة باب مفتوح على الإنسانية، وحديقة مشرعة للآخر عامرة بالتعاطف والبذل والعناية والحدب. وهي إلى جانب ذلك قضية اجتماعية يمكنها أن تشكل قيمة تستطيع أن تخرق المشاعة المعاصرة.
إنّ وجود الحوار الروحي في تراثنا الحضاري الديني بأشكال وصور متعددة، يعطي الحق للمسيحيين والمسلمين باستدعاء هذا الإرث الحضاري وممارسته، ولا سيما في غمرة هذا التصدع الطارئ على المجتمعات، وفي هذه المرحلة الحرجة التي يمر فيها وطننا العربي المستهدف ترابا وديانة وثقافة وحضارة من الصهيونية وأعوانها.
فالدين المسيحي، رسالة تقوم في أساسها على القيم السامية وعلى محبة الإنسان. والدين الإسلامي يمتاز بخاصية التفتح على الكون ومن فيه وما فيه. الإنسان فيه مكرم وهو المركز وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ . دين يؤمن بالحوار ويعترف بالآخر ويترك له حرية العقيدة. جاء في القرآن: ِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً المائدة 5 : 48. وقال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: نحن الأنبياء أخوة، ديننا واحد، وشرائعنا شتى.
فالإنجيل المقدس والقرآن الكريم كتابان حواريان بامتياز، والحوار فيهما مفتوح على جميع الاتجاهات ويشمل الناس أجمعين مؤمنين وغير مؤمنين. وقد ورد في القرآن حوار الأنبياء مع أقوامهم، والحوار مع أهل الكتاب، وحوار الله: مع الأنبياء، ومع إبليس، ومع الكافرين.
هذا إلى جانب وجود الكثير من الرؤى والأفكار فيهما، والتي تصلح لترميم العلاقة الإنسانية. ولا سيما أنهما أعطيا الآخر موقعا لا تغيره ازدحام المفاهيم، مادام هذا الآخر يتوسل الكلمة طريقا للحوار، والحقيقة سبيلا للمعرفة.
وهذا كله يؤكد أن الدين لا يدفعنا إلى الانزواء، بل يجعلنا متعاونين متفانين في خدمة الآخر. لأنّ الذات والآخر ليسا كيانين منفصلين، بل هما متلاحمان وكل واحد منهما يكمل الآخر بما يكفل للمجتمع سلاماً واستقراراً. وكلما كان الدين حيّا في قلوبنا استطعنا أن ننسلخ من طائفيتنا في سبيل تواصلنا مع الآخر وانفتاحنا على الإنساني، وتمكنا من إذابة الجليد بيننا وبين الذين يخالفوننا في العقيدة والرأي. والحوار هو أرقى مراحل تمثل التراث الروحي، لأنه يكبح جماح التطرف الديني والغلو الفكري، ويجعل الإنسان يتذكر أنَّه يوجد إلى جواره أخ له في الإنسانية والمواطنة، وإن اختلف عنه في العقيدة الدينية، وعليه أن يراه ويسمعه ويهتم به ويتواصل معه ويحترم فكره وعقيدته.
لم يتخذ الحوار في الديانتين المسيحية والإسلامية شكلا واحدا ثابتا، وإنما اتسعت آفاقه وتعددت أغراضه، واختلفت مواضيعه. فالرسول صلى الله تعالى عليه و سلملم يترفع عن محاورة الناس على اختلاف مستواهم الاجتماعي والفكري ونوع عقيدتهم. واتسم حواره بالرفق والمحبة والتسامح واللين مع أهل الكتاب : وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة العنكبوت 29 : 46.
ومع المشركين:وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ
آل عمران 3 : 159. والمسيح عليه السلامأيضا حاور تلاميذه ومريديه، مثلما حاور أعداءه والرافضين له، وعاملهم جميعا على قدم المساواة برحمة ومحبة، وطلب إليهم أن يرفق بعضهم ببعض. وقد توجه للناس جميعا مصححا لهم بعض المقولات القديمة : "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل، ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم، ومن يقول لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع، ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم." 5 متى : 21-22. ونبههم إلى قيمة وجودهم في الأرض وما لهم من دور فاعل في صلاح الكون وإعماره، قائلا لهم : "أنتم ملح الأرض. ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح ؟ لا يصلح بعد لشيء إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس. أنتم نور العالم. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة." 5 متى : 12-16.
وحضهم على أن يتحلوا بالأخلاق الجيدة وبحسن التصرف وعدم إيذاء الآخرين بالكلمة أو بالموقف : "اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان." 15 متى : 10-11.
وفي هذا المجال يقول الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: ألا أنبئكم بشر الناس ؟
قالوا بلى يا رسول الله.
قال

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

« التصوف الاسلامى ودوره فى حماية مقومات بناء الأمة الاسلامية
حوار الروحانيات 2 »