من الكينونة إلى الكونية
كتبهاأحباب الشيخ التجاني ، في 16 يناير 2008 الساعة: 21:51 م
من الكينونة إلى الكونية
شريف هزاع شريف/ باحث في الدراسات العرفانية
التصوف الإسلامي أو العرفانية الإسلامية كما يسميها البعض هي خلاصة التجربة الروحية للإنسان في الوجود وهي محاولة انطولوجيا لفهم الذات او للاتصال بالذات وصولا إلى الاشراقية التي تستشرف الحقائق الكلية من خلال الاستبطان او الانسلاخ عن ظاهراتية الوجود إلى باطنيته المحملة بالأسرار أو المعرفة ، ويمكننا أن نوجز الحركة العرفانية في التصوف الإسلامي بأنها تعنى بالنظر في ملكوت الله والوصول الذاريات( وفي أنفسكم )إلى دائرة المطلق والكمال (الله) عن طريق النفس المطمئنة 19 الخارجة من غياهب الحجب النفسية والشيطانية الكثيرة التي نحملها فوق كاهلنا المتعب بالأنا انه – التصوف -محاولة للانسلاخ عن تلك الهوية المريضة او الخروج من دائرة شيطنة الإنس إلى آدمية الإنسان الأولية وهي العبودية أو مقام وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف 172.
التصوف يقظة من تلك الغفلة (غفلة العهد ) الذي أقررنا بوجوده منذ القدم إلا أننا أهملنا دورنا الإنساني مع الله أو لم نكمل الدور الذي علينا إتمامه للوصول إلى التوافق مع الله . كيف يحدث التوافق ما بين المطلق اللانهائي مع النسبي النهائي المحدود ، أنها فلسفة التصوف في الوصول إلى الله ، المتصوفة تقول علينا الرجوع إلى مطلقية الأمر النفخي إلى عالم التكون الأول ، كيف؟ هو أن نصلح كينونتنا ثم كونيتنا أن نتوافق مع الكون بنسق هارموني فالقيمة الحقيقية للإنسان لم تأتي فقط من خلقه الطيني بل الحقيقة انه يملك قيمة لا تقارن ، بسبب النفخة الإلهية في الطينة العنصرية تلك فالمتصوف يقيم علاقة بين طرفي :-
الخالق ــــــــــــــــــــــــــــ المخلوق
"الكمال والغنى" ـــــــــــــــــ"النقص والافتقار"
وفق معادلة العروج والوصول ، أو السعي للانسلاخ من ماديته المبتذلة الملوثة بالحجب الشيطانية إلى ماديته المكرم بها من الله عز وجل والتي هي في حقيقتها تتويج الهي لإكمال دوره في الحياة الدنيا والمتمثل بالإقتداء بالمنهج ( النبوي) في الحياة والملخّص بـ لا إفراط ولا تفريط في المأكل و المشرب والحاجات الدنيوية الأخرى وهذه القاعدة لا تنطبق على الحياة المادية بل لها الأثر والأهمية عينها في الحياة الروحية ؟! وعدم الالتزام بها يؤدي إلى ظهور نتائج سلبية خطيرة خاصة على المستوى الروحي،قد يكون هذا الطرح فلسفيا يحمل في طياته الحكمة الصوفية العميقة ،لكن حقيقة التصوف هي أن نتوافق مع الله أن نتحد به (بلا حلول و ممازجة كما يفهمه الآخر المليء بالحمق الروحي) إن الاتحاد مع الله لا يعني ممازجة عناصر أو ذوات . . . لسنا آلهة بل يمكن أن نكون ربانيين يقول محي الدين بن عربي (انك تحت قهر اسم من الأسماء سواء عرفت ذلك أم لم تعرف أو وقفت في مشاهدته أو لم تقف فأن ذلك الاسم هو الذي يحركك ويسكنك أو يكونك أو يمكنك يقول لك :-أنا إلهك)(لطائف الأسرار) .
طروحات التصوف الخالص الوصول إلى أعلى المقامات وهي العبودية، وقتها نأخذ نصيبا من الكمال المسموح به لأننا سنكون في حضرة الله العظيم لأننا نقابل الله بكماله وليس بنقصنا. . . لا تتوهم أن التصوف بحث عن اله ضائع! ! ؟ فهذا عين الجهل لأن التصوف هو الوصول إلى الإله الذي تمت معرفته بعد إعلان جهلنا به هكذا عبر ألنفري :- العلم حجاب و الجهل حجاب والحرف حجاب وأنت (الإنسان) حجاب (المواقف و المخاطبات) قال الحلاج (من رامه بالعقل مسترشداً أسرحه في حيرة يلهو) (ديوان الحلاج) وسبحان من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته كما قال سيدي أبو بكر الصديق
.
الصوفي يسعى أن يكون متوافقا مع الله هذا (التناسب الروحي) وهو اتحاد معه لكن بلا ممازجة أو حلول لان المصطلح الصوفي نقي من تخريف الذين يتهموننا بالكفر لأننا وصلنا إلى نتيجة ؛هي أن أعظم ما فينا أننا بلا كمال وبحاجة إلى العظمة الإلهية التي توجت الخلائق كلها برداء العبودية لله الواحد ،انه ليس في حالة صراع مع الله ليمازجه، الحلول يعني نزول الله بينما الصوفي يصعد إليه بحكم العبدية وهذا ما يطلق عليه (المعراج الصوفي)، إن التناسب الروحي هو ( إنشاء توافقات مع من نريد!؟)من خلال آليات استخلصها أساطين الصوفية من الكتاب والسنة ومن التجربة العملية ، قد يكون في الأمر الكثير من السهولة واليسر ، لكنه صعب جدا في البداية لأنه لا يتم إلا باستعدادنا للتخلي عن (أنا) وهي أول ما يسعى له الصوفي يقول سيدي احمد الرفاعي ( والله لن تصل الحق وفيك بقية حروف [ أنا ] .) هذه الأنا التي يحاربها المتصوفة هي الأنا التي يحمل لوائها زمرة تحارب التصوف باسم الدفاع عن العقيدة !؟ معللين إن منهج المتصوفة في رفع الأنا يوصلهم إلى الحلول والاتحاد والشطح والغلو وهو استنتاج غير صحيح لان المتصوفة لا تقول بالاتحاد بل بالوصول وهذا الوصول ليس وصولا للذات المقدسة بل إلى حضرة الأسماء الذاتية والصفات العليا .
إن رفع ألانا هو فلسفة التصوف الإسلامي أو مدار التجربة الحقة (وهنا يكمن سوء الفهم الذي الصق بالتصوف على انه مجرد نظرية شركية ) ولا يتم الفعل على حقيقته بلا إخلاص وبالرجوع إلى المعلم الأول . . . علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة (الجنيد) ، علينا أولا أن نملك إرادة كافية تؤهلنا أن نلغيها فيما بعد وهذه الإرادة هي ( تجريد القصد إلى الله وجزم النية والجد في طلبه) (محاسن المجالس لأبن العريف) ، لكن كيف يمكن أن نحقق هذا الهدف بدون انشأ التوافقات ما بين عالم الأرض وعالم السماء وليس تجريد القصد محور نظري في التصوف بل منظومة قد تأخذ من الصوفي زمنا للوصول للتجريد ، وهو في حقيقة الأمر كان إخلاص في النية وجد للوصول فكان منذ انطلاقته قد أسس لتجريد القصد وإخلاص النية والطلب الحقيقي ، إلا أن أفات الطريق كثيرة .
المناسبات الروحية هي التطبيق الجاد لأصول التصوف وهي – حب الله ورسوله ، الأسوة الحسنة ، التوبة ، الورع ، الزهد ، التوكل ، المحبة ، الرضا . . . أما العمل المتكرر في حياة المتصوف فهو الذكر المتواصل والنوافل والصدقات والصيام …. الخ وكل هذا ينعكس بنتائجه وبشكل سريع على الجسد والنفس والروح ، فالذكر مثلا عند الصوفي : استحضار الله في القلب مع التدبر (معجم ألفاظ القرآن/1) ولهذا الاستحضار اثر كبير ، قال سيدي محي الدين لملازمة الأذكار نتيجة لا تكون لذاكر آخر وإذا عرض الإنسان على نفسه الأذكار الإلهية فلا يقبل منها إلا ما يعطيه استعداده فأول فتح له في الذكر قبوله له ثم لازال يواظب عليه مع الأنفاس فلا يخرج منه نفس في يقظة ولا نوم إلا به لاستهتاره به) (1) (الفتوحات/4 )
ان التصوف صوت كوني نافذ في الوجود نسق ممنهج للوصول الى المطلق ، فلماذا لا نصغ إلى صوت التصوف المخنوق بعوالم برزخية والذي يكاد أن يكون منارات لأرواح هائمة … أنني صوفي أدعوك إلى منزلي الصغير لن أقدم لك سوى الخبز و الماء وسهر طويل مع (الله) اجلس اذكر ذاكر وتذكر سأعطيك سرا كبيرا جدا (ساعة في الليل تكفي للوصول إلى السماء وساعة أخرى تكفي للوصول إلى (الله) سيتحول وقتها الخبز و الماء إلى مائدة سماوية) .
الهوامش :-
1-عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ص يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: جُمْدان فقال: سيروا هذا جُمْدان سبق المفَرِّدون. قيل: وما المُفَرِّدون يا رسول الله ؟ قال: المستَهتَرون بذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافاً [أخرجه مسلم في كتاب الذكر والترمذي في كتاب الدعوات] المستهترون بالأذكار : تعني المكثرون الملحون بالأذكار ويقصد الشيخ الأكبر هنا تجل الأسماء والصفات والافعال على الذاكر لإكثاره من الذكر وهي دليل المحبة لأن المحب للحبيب ذاكر والعكس أيضا اذكروني أذكركم البقرة / 152
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























