مَــــــــقَامَاتٌ عِـــــرْفَــانِيَّـةٌ

مجلـــة رقمية تعنى بشأن الطريقة التجانية.

أتباع الشيخ العارف بالله، القطب الرباني المكتوم , و الخاتم المحمدي المعلوم، سيدي أبي العباس أحمد التيجاني رضي الله عنه. 

المدير المسئول :
الأستاذ : إبراهيم الوراق التجاني

elourak_tijani@hotmail.com


ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب

كتبهاأحباب الشيخ التجاني ، في 25 أبريل 2008 الساعة: 18:33 م

سلسلة التوحيد

(1)

ركائز التوحيد

في

مدرسة محمد بن عبد الوهاب

دراسة نقدية

 

 أبو هاشم السَّيِّد الشريف

 

مدخل

 

    على مدى التاريخ الإسلاميّ الطويل لم تَجِدْ دعوة مِن الإمكانيّات المادّيّة والسِّياسيّة مِثْلَمَا وَجَدَتْه دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ..

1- لقد وجدَت نظاماً سياسيّاً صارماً يُطَبِّق مبادئها بحزْم على كُلّ شبْر مِن أرْضِها ، بل ويتبنّى نشْرها على مستوى الأُمَّة الإسلاميّة .

2- ووجدَت مِن الإمكانات المادِّيَّة الهائلة ما يوفِّر لها سُبُل الانطلاق بالإنسان المُسْلِم وتطوير الدولة الإسلاميّة لِتَنتقل نقلةً حضاريّةً وتَكون نموذجاً عالَميّاً يشعّ نوره على العالم كُلّه ؛ فقدْ جاء اكتشاف البترول ثروةً عظيمةً غنيّةً بِلا تكلفة تُذْكَر وبِلا عناء وبإيراد فائض عميم يملأ خزائن الدولة دولارات بغيْر حساب .

3- ووجدَت دُوَلاً وشعوباً إسلاميّةً ما فتئَت خارجةً مِن مرحلة استعماريّة مؤلِمة جَعَلَتْها قابلةً لأيّة إصلاحات ومشتاقةً لِلعودة إلى جذورها ، فوَجَد الشّباب بُغْيَتَهم في فِكْر هذه الدعوة .

    ولكن ..

    ورغْم تَوافُر كُلّ هذه الأسباب ..

    رغْم الثروات الهائلة التي تمكَّنَت لِدولة الدعوة في القرن العشرين ..

    رغْم ارتفاع مستوَى دخْل الفرد لِيُصبِح أَعلَى دخْل في العالَم كُلّه ..

    فإنّ النتيجة صاعقة !!

    لا تَزال هذه الدولة مِن عِدَاد دُوَل العالَم الثالث ( المتخلِّف ) بكُلّ المقاييس الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتّعليميّة والثّقافيّة !

    بل إنّ الأمر قد انتهَى بدولة الدعوة إلى الاحتلال بِيَد أعداء الإسلام !! وهذا مِن أَعجَب العُجاب ؛ هذه الدعوة التي تُحَرِّم الاستعانة والاستغاثة بغيْر الله وتُحَرِّم على المُسْلِم أنْ يَستغيث برسول الله صص انتهَى بها الأمر أنْ تستغيث وتستجير وتستعين بأمريكا وبريطانيا ودُوَل أوروبا التي أتت بجيوشها وعتادها لِتتوطّن في المملكة العربيّة السّعوديّة ودُوَل مشايخ النفط (1) ..

    وبذلك أَعطَت الفرصة الكاملة لِلصليبية والصّهيونيّة أنْ تَقبِض بِيَد مِن حديد على قلْب الأُمَّة الإسلاميّة ، وانتهى بها الأمر إلى مخالَفة وصيّة النَّبِيّ صص قُبَيْل انتقاله إلى الرفيق الأعلى { أَلاَ لاَ يَجْتَمِعْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَان } (2) .

(1) رغْم أنّ موالاة أهْل الإشراك في عقيدة مدرسة ابن عبد الوهاب شِرْك وكُفْر .. انظر الرسالة الثانية مِن ثلاث رسائل لِلشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، بعنوان " حُكْم موالاة أهْل الإشراك "" .. دار الأصفهاني لِلطباعة بجِدّة سَنَة 1393 هـ .

(2) التخريج ؟؟؟

    لقد ظَلَّت جزيرة العرب طول أربعة عشر قرناً محفوظةً مِن أيّ دين سِوَى دين الإسلام ، حتّى جاءت دولة الدعوة والبترول باليهود والنصارى إلى قلْب أُمَّة الإسلام ، وبذلك أعطَت الفرصة الذّهبيّة لأعداء الإسلام لِيَتحكّموا في الأُمَّة الإسلامية،نسأل الله الفرج بَعْد هذه الشِّدَّة .

    وفي هذه الورقة أُحِبّ أنْ أُبَيِّن ثلاث نقاط أساسيّة على شكْل ثلاث مسائل :

المسألة الأولى : ركائز التوحيد في مدرسة محمد بن عبد الوهاب والتي اشتهرَت وانتشرَت بيْن شباب الأُمَّة .

المسألة الثانية : مُلَخَّص لِبعض مفاهيم العقيدة على شكْل سؤال وجواب .

المسألة الثالثة : أُسُس التوحيد لدى أهْل السُّنَّة والجماعة والتي تَقاعَس علماء وأساتذة المسلمين عن الكتابة والتأليف بشأنها ونشْرها بيْن شباب الأُمَّة .

                           والله مِن وراء القصد .

  السَّيِّد السَّيِّد أحمد الشريف ..

E-mail : sayed53@al-islam.com

         Sheikhsayed@hotmail.com

 

المسألة الأولى

ركائز التوحيد في

مدرسة محمد بن عبد الوهاب

 

الركيزة الأولى (1)

 

    أنّ الأُمَّة الإسلاميّة قد ارتدّت إلى الشِّرْك ، وصارت في عصْر محمد بن عبد الوهاب مُشْرِكةً ، وأَصبحَت تحتاج إلى مَن يعيدها إلى التوحيد ..

    فمِصْر أصبحَت بلاداً مُشْرِكةً ؛ حيث يوجَد بها السَّيِّد البدويّ والدّسوقيّ والحسين وغيْرهم ، وأَصبَح المسلمون في مِصْر عباداً لِلقبور ، وكذلك سوريا والجزائر وباكستان وغيْرها .

    كيف تُثْبِت مدرسة محمد بن عبد الوهاب ذلك ؟

    يقولون (2) :

(1) خمْس رسائل لِلشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( الرسالة الرابعة ) .. دار الأصفهاني لِلطباعة بجدّة سَنَة 1393 هـ .

(2) فتْح المَجيد شرْح كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب .. الشرح تأليف الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ .. دار الفضيلة بالرياض سَنَة 1423 هـ - 2002 م .

    إنّ التوحيد الذي جاءت به الرسل إنَّما هو إثبات الإلهية لله وحْده ، والإله هو المألوه المعبود ، وليس هو الإله بمعنى القادر على الاختراع كما يَقُوله المنسوبون إلى أبي الحَسَن الأشعريّ ، وهُمْ بذلك لم يَعرِفوا حقيقة التوحيد الذي بَعَث الله به رسوله صص ؛ لأنّ مُشْرِكي العرب كانوا مُقِرّين بأنّ الله وحْده خالِق كُلّ شيء ، وكانوا مع هذا مُشْرِكين ؛ لأنّهم لم يوحِّدوا الله في العبادة ، أيْ أنّهم وحَّدوا الله توحيد ربوبيّة ولم يوحِّدوا توحيد ألوهية ، لِذلك هُمْ مشرِكون ..

    ويستدِلّون بآيات أربعة ، هي : قوله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلا وَهُم مُّشْرِكُون } (1) ، { قُل لِـّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا ؟؟؟ سَيَقُولُونَ لِلَّه } (2) ، { قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَـوَتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّه } (3) ، { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء ؟؟؟ سَيَقُولُونَ لِلَّه } (4) ..

(1) يوسف : 106

(2) ؟؟؟

(3) ؟؟؟

(4) ؟؟؟

    ثُمّ يَربطون بيْن هذا وبيْن حال المسلمين مِن عصْر محمد بن عبد الوهاب حتى اليوم ؛ فإنّ المسلمين يوحِّدون الله توحيد ربوبيّة كمُشْرِكي قريش تماماً ، ولكنّهم لم يوحِّدوا الله توحيد ألوهية ، وهو الذي جاء به النَّبِيّ محمد صص .

    بل إنّ مُشْرِكي مكة أَهْوَنُ شِرْكاً مِن المسلمين اليوم  !! كيف ؟

    يقول في شرْح قوله تعالى { قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه ؟؟؟ } (1) (2) : اعتقَد عُبّاد القبور والمَشاهد ( يقصد المسلمين اليوم ) نقيض ما أَخبَر به الله تعالى ، واتَّخَذوهم شركاء لله في ربوبيّته وإلهيّته ، وهذا فوْق شِرْك كفّار العرب القائلين { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } (3) { هَـؤُلاءِ شُفَعَـؤُنَا عِندَ اللَّه } (4) ؛ فإنّ أولئك يَدْعونهم لِيَشفعوا لهم ويُقَرِّبوهم إلى الله ، وكانوا يقولون في تلْبيتِهم :" لَبَّيْك لا شريك لك ، إلا شريكاً هو لك ، تَملكه وما مَلَك " ، وأمّا هؤلاء المشركون ( يقصد المسلمين اليوم ) فاعتقَدوا في أهْل القبور والمَشاهد ما هو أَعظَم مِن ذلك ؛ فجعَلوا لهم نصيباً مِن التصرف والتدبير ، وجعَلوهم معاذاً لهم وملاذاً في الرغبات والرهبات { سُبْحَـنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون } (5) .

    يقول الشيخ عبد العزيز بن باز (6) : إنّ مَن تَحَقَّق مِن محبّة مُشْرِكي زماننا لآلهتِهم التي يُسَمّونها بـ" الأولياء " يَعلم يقيناً أنّهم يحِبّونها أَكثَر مِن محبّتهم لله ، ويتصدّقون لِوجوهها بما لا يَقْدرون أنْ يتصدّقوا بعُشْرِه لِوجْه الله .

(1) ؟؟؟

(2) المصدر السابق /149

(3) الزمر : 3

(4) يونس : 18

(5) ؟؟؟

(6) المصدر السابق /97

    وعلى هذا .. فهمْ يُصَوِّرون أو يتخيّلون أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب وُلِد والأُمَّة الإسلاميّة كانت قد عادت إلى الشِّرْك ، فدَعاهم إلى التوحيد فحارَبوه كما حارَب المشرِكون الأوائل رسولَ الله صص ، وفي النهاية نَصَره الله بفضْل الأمير محمد بن سعود كما نَصَر نَبِيَّه محمداً صص بأهْل يثرب .

    واليوم ما في العالَم الإسلاميّ موحِّدون توحيداً صحيحاً إلا محمد بن عبد الوهاب ومدرسته ؛ حيث إنّه الذي قام برفْع راية التوحيد كما قام الرسول صص بنشْر التوحيد بيْن المشركين .

    وحين نَنظر ونُقارِن نجد أنّه :

1- قَبْل أنْ يَمُرّ مائة عامّ على هجرة الرسول صص كان الإسلام قد انتشَر في أنحاء العالَم ، وصارت الدولة الإسلامية هي الدولة العظمى في العالَم ، وصارت الأُمَم تابعةً لها حضاريّاً وعِلْميّاً وتكنولوجيّا .

2- قامت الدولة الأمويّة بالاتّساع الأفقيّ لِلعالَم الإسلاميّ وأَدخَلَت أرضاً شاسعةً إلى رقعة الإسلام .

3- قامت الدولة العبّاسيّة برفْع راية الحضارة الإسلامية في جميع المجالات ، وصارت بفضْلها الحضارة الإسلامية هي النموذج الأول في العالَم .

4- قامت الدولة السلجوقية ودولة المماليك ودولة الموحِّدين يتجديد شباب الإسلام حين ساد التّمزُّق أرجاء العالَم الإسلاميّ وبدأ ضَعْف الأُمَّة وبدا الانقضاض عليها مِن خلال الدولة البيزنطية بالحملات الصليبية ومِن خلال دولة الأندلس ..

    وهُنَا قامت دولة السلاجقة في العراق وفارس وآسيا الصغرى ودولة الموحِّدين في المغرب ودولة المماليك في مِصْر والشّام ، فتكوَّنَت قوّة ضخمة جَدَّدت شباب الأُمَّة ورَدَّت عن الإسلام القُوَى المعادية الثلاث : الصّلبيِّين في الشّام ، والفرنجة في المغرب والأندلس ، والتتار في الشرق ..

    وقد نجحَت هذه الدّول في التَّصدِّي لأعداء الإسلام والقضاء عليهم تماما .

5- وبَعْد قرون مِن قوّة وبأس الأُمَّة الإسلاميّة عادت إلى الضَّعْف والانقسام ، ثُمّ تَجَدَّد شباب الإسلام مرّةً أخرى في موجة مِن القوّة تمثلَت في الدولة العثمانيّة الشّابّة التي حملَت راية الإسلام مِن جديد في ظِلّ هصْر الوحدة الإسلاميّة العثمانيّة ، والتي استمرَّت طيلة أربعة قرون ونِصْف في قوّة حضاريّة متمكِّنة ، استطاعت خلالها أنْ تَقضي على الدولة المسيحيّة الشرقية وتستولي على القسطنطينيّة ، بل وصار حُكّام البندقيّة في إيطاليا يَدفعون الجزية إلى خليفة المسلمين في العاصمة العثمانيّة ، وأَدخلَت الإسلام إلى قَلْب أوروبا ..

    ثُمّ ضعفَت الدّولة العثمانيّة بَعْد ذلك حتَّى مَزَّقها الغزو الاستعماريّ الغربيّ عام 1918 م .

6- ثُمّ كان أمل الأُمَّة الإسلاميّة في القيادات الشّابّة المستقِلّة في القرن العشرين ، وعلى رأْسها مدرسة محمد بن عبد الوهاب في المملكة العربيّة السّعوديّة والتي تَوَفَّر لها مِن الإمكانات المادِّيَّة والسِّياسيَّة ما يَجعلها تَنطلق لِتُصْبِح المركز الحضاريّ والثّقافيّ والعِلميّ والتّكنولوجيّ لِلعالَم الإسلاميّ ، وكان شباب الأُمَّة يَعتبرها كذلك ..

    ولكنْ ..

    ما أنْ مَرَّت السّنون ـ وكما يقولون : العِبرة بالنّتائج ـ حتى وَجَدْنَا مدرسة ابن عبد الوهاب تَحصُر نَفْسها في بضْع نقاط لا تخرج عنها وتريد فرْضَها بكُلّ ما أُوتِيَت مِن قوّة ومال ، تلك النقاط التي تنحصر في تلك السطور التي كَتَبَها محمد بن عبد الوهاب والمنشورة باسم كتاب " التوحيد الذي هو حقّ الله على العبيد " والذي أُغرِقَ العالَم الإسلاميّ به على سبيل الهدايا والتوزيع المجّانيّ ، وتَرَكَت الدولة الفتيّة أسباب القوّة التي أَمَر الله تعالى بها والتي جاء بها نبيّنا محمد صص ، حتَّى انتهى بها الحال إلى الوقوع في مصيدة اليهود والنّصارى ..

* إنّ الحُكْم على أنّ الشِّرْك انتشَر في أُمَّة الإسلام وتصديق ذلك إنَّما هو تكذيب الرسول صص الذي قال { إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم } ؟؟؟ (1) .

(1) رواه مسلم في صحيحه عن جابر ضض .

    نسأل الله تعالى أنْ تزول المحنة وتَمُرّ الأزمة وتفيق الأُمَّة مِن غفْلتِها .

 

الركيزة الثانية

 

    أنّ سيدنا محمداً صص بَشَرٌ كلَّفه الله برسالة فبَلَّغها وأدّاها بكُلّ أمانة ، وبَعْد إتمام النعمة وإكمال الدين مات ، وبموْته أَصبَح لا يفيد ولا ينفع ولا يضرّ ، وانصرَت أهميّته في اتِّباع ما جاء به مِن قرآن وسُنَّة ..

    وينبني على ذلك :

1- أنّه لا يجوز شدّ الرحال لِزيارته .

2- أنّه لا يجوز الاستغاثة به ولا الاستعانة به ولا حتَّى طلب الشفاعة .

3- أنّ محبّته تَنحصر فقط في محبّة سُنَّته واتِّباعها .

4- وهذا مِن باب أَوْلى يَنطبق على الأولياء والصّالحين مِن المسلمين .

    وهذه بعض النصوص الواردة عنهم :

أ- يقول ابن عبد الوهاب في كتاب " التوحيد " (1) :

    وعن عُمَر أنّ رسول الله صص قال { لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ؛ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُه } ..

(1) فتْح المجيد شرْح كتاب التوحيد /195

    ويرى أنّ معناه : لا تَمدحوني فتغلوا في مدْحي كما غلَت النصارى في عيسى فادَّعوا فيه الإلهية ، وإنَّما أنا عبْد الله ورسوله ، فصِفُوني بذلك كما وصَفَني رَبِّي ، فقولوا : عبْد الله ورسوله ..

    فأَبَى المشركون ( يقصد المسلمين اليوم ) إلا مخالَفة أمْره وارتكاب نهْيه ، وعَظَّموه بما نَهاهم عنه وحَذَّرهم منه ، وناقَضوه أَعظَم مناقَضة ، وضاهوا النصارى في غُلُوِّهم وشِرْكِهم ، ووقَعوا في المحذور ، وجرى منهم الغلوّ والشِّرْك شِعْراً ونثراً ما يَطُول عُدّه ، وصنَّفوا فيه مصنَّفات …

    فناقَضوا الرسول صص بارتكاب ما نَهَى عنه أَعظَم مناقَضة ، وشاقّوا الله ورسوله أَعظَم مشاقّة ، وذلك أنّ الشيطان أَظهَر لهم هذا الشِّرْك العظيم في قالب محبّة النَّبِيّ صص وتعظيمه ، وأَظهَر لهم التوحيد والإخلاص الذي بَعَثه الله به في قالب تنقيصه ..

    وهؤلاء المشركون ( يقصد المسلمين اليوم ) هم المتنقّصون النّاقصون ؟؟؟ ؛ أَفرَطوا في تعظيمه بما نَهاهم عنه أَشَدّ النّهي ، وفَرَّطوا في متابَعته ، فعَكَس أولئك المشركون ( يقصد المسلمين ) ما أراد الله ورسوله عِلْماً وعملاً ، وارتكَبوا ما نَهَى عنه الله ورسوله ، فالله المستعان .

ب- يقول ابن القيّم في كلامه على آيات الشفاعة :

    ومِن أنواع الشِّرْك : طلبُ الحوائج مِن الموتى والاستغاثة بهم ، وهذا أصْل شِرْك العالَم ؛ فإنّ الميِّت قد انقطَع عملُه ، وهو لا يَملك لِنفْسه نفعاً ولا ضرّاً ، فضلاً عمَّن استغاث به وسأله أنْ يَشفع له إلى الله .

جـ- يقول ابن عبد الوهاب في كتابه " التوحيد " :

    باب : ما جاء أنّ سَبَب كفْر بني آدم وتَرْكهم دِينَهم هو الغلوّ في الصّالحين ، وقول الله عَزّ وجَلّ { يَـأَهْـلَ الْكِتَـبِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقّ } (1) ..

    قال الشارح في " فتْح المجيد " (2) : فكُلّ مَن دعا نبيّاً أو وليّاً مِن دون الله فقد اتَّخَذه إلهاً وضاهَأ النصارى في شِرْكهم وضاهأ اليهود في تفريطهم .

    ويقول الشيخ ابن باز معلِّقاً في " قُرّة العيون " : وقد وقَع ذلك الشِّرْك في العبادة في هذه الأُمَّة نظماً ونثراً : كما في كلام البوصيريّ والبرعيّ وغيْرهما ، وفيما فَعَلوه مِن الغلوّ والشِّرْك محادّة لله ولِكتابه ولِرسوله .

    ويقول ابن باز في نَفْس المصدر السابق (3) : فصارت الأصنام بهذا التصوير على صُوَر الصّالحين سُلَّماً إلى عبادتها ، وكُلّ ما عُبِد مِن دون الله مِن قبْر أو مَشهَد أو صنم أو طاغوت فالأصل في عبادته الغلوّ كما لا يَخْفَى على أهْل البصائر : كما جرى لأهْل مِصْر وغيْرهم ؛ فإنّ أَعظَم آلهتِهم أحمد البدويّ ، وهو لا يُعرَف له أصل ولا فصْل ولا عِلْم ولا عبادة ، ومع هذا صار أَعظَم آلهتهم ، إنّه لا يُعرَف إلا أنّه دخَل المسجد يوم الجمعة فبال فيه ثُمّ خرج ولم يُصَلّ ، فزَيَّن لهم الشيطان عبادته ، فاعتقَدوا أنّه يتصرف في الكون ويُطْفِئ الحريق ويُنْجِي الغريق ، وصرَفوا له الإلهية والرّبوبيّة وعِلْم الغيب ، وفيهم مَن يَسجد على عتبة حضْرته .

(1) ؟؟؟

(2) فتْح المجيد /189

(3) قُرّة العيون /191

    وكان أهْل العراق ومَن حوْلهم ـ كأهل عُمَان ـ يَعتقدون في عبد القادر الجيلانيّ كما يَعتقد أهْل مِصْر في البدويّ وعبد القادر مِن متأخِّري الحنابلة ، وغيْره مِمَّن قَبْله وبَعْده مِن الحنابلة أَفضَلُ منه في العِلْم والزهد .

    وأَعظَم مِن هذا عبادة أهْل الشّام لابن عربيّ ، وهو إمام أهْل الوحدة الذين همْ أَكفَرُ أهْل الأرض ، وأَكثرُ مَن يعتقد فيه هؤلاء لا فضْل له ولا دين : كأناس بمصْر وغيْره ؟؟؟ .

    ويقول : فكمْ مِن عباد صالحين مِن الصحابة وأفاضل مِن العلماء الذين كان لهم قَدَم صِدْق في الإسلام مدفونون في مقابر مِصْر والشّام وغيْرها ؛ همْ أفاضل آلاف المرّات مِن أمثال البدويّ والدّسوقيّ ـ بل نعالهم أَشرَفُ وأَكرَمُ مِن هذا البدويّ وأضرابه ـ لا يَعرفهم أولئك المشركون ، فنسألك اللَّهُمَّ أنْ تُعَجِّل بهدْم هذه الأوثان وتطهير الأرض منها كلّها ؛ تحقيقاً لِمَا أَمَر به نَبِيّك وبَعَث عَلِيّ به إلى اليمن ؛ صيانةً لِلتوحيد مِن قذر الشِّرْك الذي أَعظَمُ أسبابه هذه القبور .

    وهمْ بذلك يَصِلون إلى نتائج :

1- يُضَخِّمون بشريّة رسول الله صص ويَنتقصون مِن { يُوحَى إِلَىّ } (1) ، رغْم أنّ كلمة { يُوحَى إِلَىّ } (1) هي التي رفعَت رسول الله صص وسَمَى بها إلى أَعلَى مقام .

2- يَقطَعون الصِّلة القلبيّة بيْن الأُمَّة وبيْن رسول الله صص ، فالمحبّ’ ليست هي الاتِّباع ، ولكنّ الاتِّباع جزء مِن آثار المحبّة ..

(1) الكهف : ؟؟؟

    فالمحبّة تَشمَل استيلاء المحبوب على قلْب المُحِبّ ، وهذا حادِث لِكثير مِن الصحابة الذين كانوا يُحِبّون رسول الله صص مِلْءَ قلوبهم ، ولم يَكونوا يَستغنون عن مشاهَدته بالليل أو النّهار .

    أمّا الاتِّباع فهو أثرٌ مِن آثار المحبّة ، فالاتِّباع دون المحبّة القلبيّة الخالصة يتحوّل إلى قوالب جامدة مِن الأوامر والنواهي .

3- يُسَمّون النَّبِيّ صص بلفْظ " محمد " هكذا مُجَرَّداً ؛ بحُجّة أنّه قال { لاَ تُطْرُونِي …  إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُه } ..

    بيْنما نجدهم يُطْرون الشيخ ابن تيمية ؛ ففي الفتاوي الكبرى ( الفتوى رقم 314 ) ما نَصّه : وقال الشيخ ، الإمام ، العَلاّمة ، القدوة ، العارف ، الفقيه ، الحافظ ، الزّاهد ، العابد ، السّالك ، النّاسك ، مُفْتِي الفِرَق ، ركْن الشريعة ، عالِم العصر ، فريد الدهر ، ترجمان القرآن ، وارث الأنبياء ، آخِر المجتهِدين ، تقيّ الدين أبو العبّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرّانيّ تَغَمَّده الله برحْمته : فصْل في أقسام القرآن …. إلخ ..

    وهكذا في غالِب الفتاوى .

    وفي غالِب الأسئلة : سُئِل شيخ الإسلام أبو العبّاس تقيّ الدين بن تيمية قَدَّس الله رُوحَه .

4- إذا كانت هذه نظْرتَهم لِلحبيب المصطفَى صص فإنّ ما نراهم يَفعلونه مع العلماء والأولياء مِن سَبّ وشتْم وانتقاص يُعَدّ أمراً طبيعيّاً ، فهمْ يَنظرون إلى الكُلّ على أنّهم بشرٌ يموتون ، وإذا ماتوا فلا فائدة ولا حِسّ ولا خبر !

 

الركيزة الثالثة

الشّفاعة

 

    يقولون :

* الشفاعة مِلْك لله تعالى ، لا تُطلَب إلا منه دون سِوَاه ؛ لأنّ ذلك عبادة وتأليه لا يَصلُح غلا لله ؛ لِقوله تعالى { قُل لِـّلَّهِ الشَّفَـعَةُ جَمِيعا } (1) (2) ..

    ولأنّ الله تعالى مالِك المُلْك ، فاندَرج في ذلك مِلْك الشفاعة ، فإذا كان هو مالكَها بَطل أنْ تُطْلَب مِمَّن لا يَملكها ..

    ولِذلك لا تُطلَب الشفاعة مِن أحد ولا مِن النَّبِيّ محمد صص ، وإنَّما تُطْلَب مِن الله .

* والأسباب التي تُنال بها الشّفاعة هي تجريد التوحيد ؛ لِقول النَّبِيّ صص حين سأله أبو هريرة :" مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك ؟ " قال { مَنْ قَالَ " لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ " خَالِصاً مِنْ قَلْبِه } (3) ، والله لا يشفع إلا لِمَن ارتضَى ؟؟؟ ، وهو لا يَرضى مِن القول والعمل إلا توحيده واتِّباع رسوله ..

    يقول ابن القيِّم رحمه الله :

1- أَعظَم الأسباب التي تُنال بها الشفاعة تجريد التوحيد .

2- ولا شفاعة إلا بإذن الله ، وهو لا يأذن في الشفاعة إلا لِمَن رضي قوْه وعَمَله .

3- ولا يَشفعون إلا لِمَن ارتضى ، وهو لا يرضى مِن القول والعمل إلا توحيده واتِّباع رسوله .

    وهذه الثلاثة تَقطَع شجرة الشِّرْك مِن قلْب مَن عَقِلَها ووَعاها (4) .

(1) ؟؟؟

(2) باب الشفاعة مِن كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب .

(3) ؟؟؟ التخريج

(4) فتْح المَجيد شرْح كتاب التوحيد /181

    ونتيجة ذلك أنّه لا تَنفع الشفاعة إلا لِمحمد بن عبد الوهاب ومَن سار على نهْجه !

    فرْع مِن ذلك :

    ويتفرع مِن ذلك : أنّ الاستعاذة بغيْر الله أو الاستغاثة بغيْر الله أو طلب المَدَ> أو الدّعاء ؛ كُلّ هذا شِرْك أَكبَر ..

    يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب " التوحيد " :

* باب : مِن الشِّرْك الاستعاذة بغيْر الله ، وقوله تعالى { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِـّنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِـّنَ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا } (1) .

* باب : مِن الشِّرْك أنْ يستغيث بغيْر الله وأنْ يَدْعو غيْره ؟؟؟ ، وقول الله تعالى { وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّـلِمِينَ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُو } (2) ، وقوله تعالى { فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرّزْقَ وَاعْبُدُوه } (3) .

(1) الجن : 6

(2) يونس : 106 ، 107

(3) العنكبوت : 17

    ويَستنتج الشيخ محمد بن عبد الوهاب مِن ذلك أنّ الاستغاثة أو الدعاء أو الاستعانة بغيْر الله مِن الشِّرْك الأكبر ، وان طلب الرزق لا يَنبغي إلا مِن الله كما أنّ الجَنّة لا تُطلَب إلا منه ، وأنّه لا أَضَلّ مِمَّن دعا غيْر الله .

    ويستدِلّ في ذلك بقوله تعالى { وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّك } (1) ، وقوله { أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوء } (2) ..

    يقول شارِح الآيات (3) : والاستغاثة تَجوز في الأسباب الظاهرة العادّية (4) مِن الأمور الحِسِّيَّة في قتال أو إدراك عدوّ أو سبْع أو نحْوه ، وأمّا الاستغاثة بالقوّة أو التأثير أو في الأمور المعنويّة (5) مِن الشّدائد ـ كالمرض وخوْف الغرق والضِّيق والفقر وطلبِ الرزق ونحْوه ـ فمِن خصائص الله ؛ لا يُطلَب فيها غيْره .

(1) ؟؟؟

(2) النمل : 62

(3) فتْح المَجيد /147

(4) الأشياء الطبيعية .

(5) الأشياء التي هي فوْق الطبيعة .

    ومَن اعتقَد أنّ لِغيْر الله مِن نَبِيّ أو وليّ أو رُوح أو غيْر ذلك في كشْف كربة وغيْره على وجْه الإمداد منه أَشْرَك مع الله ؛ إذ لا قادر على الدفع غيْره ، ولا خيْر إلا خيْره .

* وفي هذا الباب وقَع فِكْر ابن عبد الوهاب في الكثير مِن التَّخبُّط والتّعارض والتّناقض ، والعَجَب كلّ العَجَب مِن ذلك !!

    إذا كان الله هو الشّافي وهو المغيث وهو المستعان وهو المدعو فكيف لِلعبد أنْ يَطلب الشفاء مِن غيْره ؟!ّ ويَطلب الغوث مِن غيْره ؟! ويستعين بغيْره ؟! ويَدْعو غيْره ؟!

    وما الفَرْق بيْن الاستشفاء بالدّواء والاستشفاء ببَرَكة رقْيا أحد المسلمين ؟‍‍!

    وما الفَرْق بيْن طلبِ الغوث مِن الفقر بأحد الأغنياء وطلبِه مِن التجارة ؟!

    وما الفَرْق بيْن الاستعانة بالبشَر والاستعانة بالمختَرعات ؟!

    وما الفَرْق بيْن الاستغاثة بالنبي صص وهو حيّ والنَّبِيّ صص وهو في الرفيق الأعلى مع إيماننا بحياته البرزخيّة ؟!

    سيجيبك فِكْر ابن عبد الوهاب بإجابات مختلِفة وقد تَكون مُقنِعةً ، ولكنَّنا في كُلّ الحالات نستعين ونستغيث ونستشفي ونَدْعو غيْر الله ..

    إذَنْ .. لو كانت الدعوى صحيحةً شرعاً لَبَطل الاستشفاء بالدواء والاستعانة بأيّ مخلوق في أيّ مجال ؛ فأمْر الرسول صص يقول { إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّه … } (1) ..

(1) رواه التّرمذيّ .

    فكُلّ هذه أسباب ، وهي مخلوقة لله تعالى ، وليس لها تأثير ذاتيّ ، إنَّما السبب الأول والمؤثِّر هو الله تَبارَك وتعالى ..

    بل إنّه في الأمور التي يجيز فيها فِكْر ابن عبد الوهاب الاستعانةَ بالغير ـ مِثْل الاستعانة بالغير في سبيل الضحك ، والاستعانة بالطعام لِرَدّ الجوع ، والاستعانة بالموادّ الكياموية لإصلاح تَلَفِ الأعضاء الجسميّة ـ في كُلّ هذه الأمور يجب أنْ تَكون عقيدة المؤمِن أنّ الله هو الذي أَضحَك وهو الذي أَبْكَى ، وهو الذي أَشبَع ، وهو الذي يشفي ، فهو في الحقيقة المؤثِّر بذاته ، أمّا باقي المخلوقات والجمادات والنّباتات فهي مؤثِّرة بما فيها مِن خواصّ أَودَعَها الله فيها ..

    فالله تَبارَك وتعالى أراد أنْ تَجرِي الأمور بالأسباب ، والأسباب لها تأثير وتَأَثُّر على مستوى الحوادث الطّبيعيّة ..

    فحين يَعتقد المؤمِن بمِثْل هذه التأثيرات لِلأشياء بجَعْل الله تعالى ذلك فيها فهذا ليس مِن الشِّرْك في شيء ، بل هذا يتّفق مع روح التّوحيد .

    وحين يَعتقد المؤمِن بقدرة ما فوْق القوانين العاديّة الطّبيعيّة ـ سواء كانت لِملائكة أو لِنَبِيّ أو وليّ ـ هل هذا مِن الشِّرْك ؟!

    وعَجَباً لِمدرسة ابن عبد الوهاب في أمْريْن :

أوّلاً : أنّها تُفَرِّق بيْن الأشياء الطّبيعيّة وبيْن ما فوْق الطّبيعة ، فتَعتقد أنّ الأشياء الطّبيعيّة لها تأثيرها الفَعّال ولها استقلال ذاتيّ ، أمّا الأشياء فوْق الطّبيعيّة فلا تأثير لها !

    وهمْ قد قسّموا الأعمال وتأثيرها نِصْفيْن : فالأمور التي ما وراء الطّبيعة لله تعالى ، والأمور الطّبيعيّة جعلوا تأثيرها لِلمخلوقات ! أليس هذا شِرْكا ؟!

ثانياً : أنّها تَنظر إلى الإنسان نظرةً ماديّةً بحتةً ، فتَرَى أنّ الإنسان كأنّه جسدٌ فقط ؛ يَموت فينقلب إلى جماد لا حِرَاك له ولا أثر ..

    وهذه فكرة مادِّيَّة بحتة تَتعارض مع عقيدتنا الإلهية .

    أمّا نحن .. ففي هذيْن الأمْريْن نؤمن بـ:

أوّلاً : أنّ جميع الموجودات الطّبيعيّة أو ما فوْق الطّبيعة ليس لها استقلال ذاتيّ ، ولا تَستند في تأثيرها إلى نَفْسها ، بل كُلّ ما يَصدُر لها مِن تأثير فهو مستنِد إلى الله تعالى ، والله تعالى يُجْرِي فيوضاته عن طريق الأشياء كما يُجْرِي فيوضات الوحي والعِلْم بواسطة جبريل وفيوضات الرزق بواسطة ميكائيل ..

    فهلْ هذا الاعتقاد شِرْك بالله تعالى ؟!

    فمَن يساعدني في رِزْقي ليس هو الرّزّاق ، ومَن أَستعين به في حوْل او قوّة ليس هو صاحِب الحوْل والقوّة ، ومِثْل ذلك مَن أَلْتَمِس منه أنْ يدْعو لي الله لصِدْقِع وقوّة يقينه ومَن أَستشفِع به ؛ ففي كُلّ هذا الرّزّاق الحقيقيّ هو الله ، وصاحِب الحوْل والقوّة هو الله ، والمدْعو المستعان به هو الله .

ثانياً : أنّنا نؤمِن أنّ الإنسان جسدٌ وله رُوح هي حقيقة نورانيّة سَرَت في الجسد حين كان عُمُره مائةً وعشرين يوماً في بطْن أُمّه ، نَفَخَها الله بنفسه أو بواسطة مَلَك كما قال القرآن (1) وكما وردَت بذلك الأحاديث الصِّحاح (2) ، فإذا مات مات الجسد وصار تراباً (3) لا حِرَاك فيه ولا حياة ، ولكنّ هذه الجوهرة الرَّبّانيَّة المسمّاة بـ" الروح " لا تَموت ، وتَظَلّ حيّةً حياةً برزخيّةً إلى أنْ تَقُوم السّاعة ..

(1) { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } .

(2) { ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ الرُّوح } .

(3) إلا أجساد الأنبياء والشهداء وأمثالهم .

    أحين يخاطِب المؤمِن رُوح نَبِيِّه محمد صص يصير مشركا ؟!!!

 

الركيزة الرابعة

عدم التهاون مع المخالِفين في الرأي

 

    فلا يَجوز لِمدرسة محمد بن عبد الوهاب أنْ تتعايش مع الغير ؛ فالمخالِفون لهم مشرِكون وكفّار وضالّون ومُضِلّون ..

    وهذا مِن عجائب أفكارهم ومخالَفتهم لِسلفِ أُمَّة الإسلام ، بل ومخالَفتهم لِلنَّبِيّ صص ؛ فالرسول صص كان يُقِرّ المسلمين فيما اختلَفوا فيه مِن آراء فقهيّة (1) ..

    وحين تَفَرَّق الصحابة ضضض في البلاد الإسلاميّة كان كُلّ منهم أستاذاً في بلدٍ مِن البلاد ، وله مدرسته الخاصّة به : فابن مسعود ضض نواة مدرسة الرأي التي أنجبَت أبا حنيفة ، وابن عُمَر ـ رضي الله عنهما ـ نواة مدرسة الحديث التي أنجبَت مالك وابن حنبل .

    ونجد آراء الصحابة المختلفة وآراء التابعين المختلفة في كثير مِن الأمور الدينية بل والعقيدة .

    بيْنما نرى مدرسة محمد بن عبد الوهاب تَرَى خلاف هذا ..

    ولْنَضرِب لِذلك بعض المثلة :

* يقول الأستاذ المُحَدِّث الشّهير (2) محمد بن إسماعيل الأمير الصّنعانيّ في كتابه " تطهير الاعتقاد عن أدارن الإلحاد " :

(1) نحْو أمْره صص بصلاة العصر في بني قريظة ، واختلافهم في تنفيذ الأمر ، وموافَقة الرسول صص لِكِلا الرأييْن .

(2) هكذا على غلاف الكتاب !

    إنّ مَن اعتقَد في شجر أو حَجَر أو قبْر أو مَلَك أو جِنِّيّ أو حيّ أو ميِّت أنّه يَنفع أو يضرّ أو أنّه يُقَرِّب إلى الله أو يَشفع عنده في حاجة مِن حوائج الدنيا بمجرَّد التَّشَفُّع به والتَّوسُّل إلى الرَّبّ تعالى فإنّه قد أَشرَك مع الله غيْره واعتقَد ما لا يُخِلّ اعتقاده ؟؟؟ كما اعتقَد المشرِكون في الأوثان ، فضلاً عمَّن يَطلب ما لا يُطْلَب إلا مِن الله تعالى مِن الحاجات مِن عافية مريض أو قدوم غائب أو نَيْل مَطْلَب مِن المطالب ؛ فإنّ هذا هو الشِّرْك بعيْنه الذي كان عليه عُبّاد الأصنام .

    هكذا أَطلَق الأستاذُ الشهيرُ العنانَ لأيّ واحد أنْ يتَّهم كُلّ المسلمين بالشِّرْك والكفر !

    ويقول : وكذلك تسمية القبر " مَشهداً " ومَن يَعتقدون فيه وليّاً لا يُخرِجه عن اسم الصنم أو الوثن ؛ إذ همْ معامِلون لها معامَلة المشرِكين لِلأصنام ..

    فأهْل العراق والهند يدْعون عبد القادر الجيلانيّ ، وأهْل مِصْر يا رفاعيّ يا بدويّ ؟؟؟؟ ، وهو بعيْنه فِعْل المشركين في الأصنام .

    ثُمّ يقول : وهؤلاء المشرِكون يجب دعاؤهم إلى التوحيد والإبانة أنّهم مشرِكون ، فمَن رجَع وأَقَرّ حُقِن عليه دمه وماله وذراريه ، ومَن أَصَرّ فقدْ أباح الله منه ما أباح لِرسوله مِن المشرِكين .

    هكذا نرى كيف يرون مخالِفيهم !

* ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز (1) :

    اقرأ كتاب الشعرانيّ و" الإبريز " لِلدَّبَّاغ وكُتُب التّيجانيّة وغيْرها مِن كُتُب أولئك الضّالّين المُضِلّين تجد الشِّرْك الذي ما كان يَخطر على بال أبي جهْل وإخوانه ؛ لأنّهم لم يَكونوا بوقاحة هؤلاء وفجورهم .

    ولا أجد تعليقاً على هذه السّفالة .

* ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز (2) :

    وهي التي يُسَمِّيها الناس اليوم " الموالد والذكريات " التي ملأَت البلاد باسم الأولياء ، وهي نوْع مِن العبادة لهم وتعظيمهم ، ولِذلك لا يَذكُر الناي ويَعرفون إلا مَن أقيمَت له هذه الذكريات ولو كان أَجهَل خَلْق الله وأَفسَقَهم ، وقد امتلأَت البلاد الإسلامية بهذه الذكريات وعَمَّت بها المصيبة ، وعادت بها الجاهلية إلى بلاد الإسلام ، ولم يَنْجُ منها إلا نَجْد والحجاز ـ فيما نَعلَم ـ بفضل الله ثُمّ بفضل آل سعود الذين قاموا بحماية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

    ثُمّ يقول : وقد أَحدَث هؤلاء المشرِكون أعياداً عند القبور التي تُعبَد مِن دون الله ويُسَمُّونها " عيداً " : كمولد البدويّ بمِصْر وغيْره ، بل همْ أَعظَم ؛ لِمَا يوجَد فيها مِن الشِّرْك والمَعاصي العظيمة .

* ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز في تعريف السَّيِّد البدويّ (3) :

    أحمد البدويّ بطنطا ، لا يُعْرَف له تاريخ صحيح ، واضطرَبَت الأقوال فيه ، والمشهور أنّه كان جاسوساً لِدولة الملثَّمين ، وكان داهيةً في المكر والخديعة ، وقبْره أَكبَر الأصنام في الديار المصرية ، مِثْل هُبَل الأكبر أو اللات في الجاهلية ، يؤتَى عنده مِن أنواع الشِّرْك الأكبر … ويقام له كُلّ عامّ ثلاثة موالد ، يَشُدّ الرِّحالَ إليها الناسُ مِن أَقصَى القُطْر المصريّ ، ويَجتمع في المولد أَكثَر مِن ثلاثمائة ألف حاجّ إلى هذا الصنم الأكبر ، عَجَّل الله بهدْمه وحَرْقه هو وغيْره مِن كُلّ صنم في مِصْر وغيْرها .

* ويقول ابن القيم (4) :

(1) فتْح المجيد شرْح كتاب التوحيد لِلشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ .. دار الفضيلة سَنَة 2003 م .

(2) نَفْس المَصدر السابق : باب لا يُذبَح لله بمكان يُذْبَح فيه لِغيْر الله .

(3) نَفْس المصدر السابق /138

(4) نَفْس المصدر السابق /236

    لا يجوز إبقاء مَواضع الشِّرْك والطواغيت بَعْد القدرة على هدْمها وإبطالها يوماً واحداً ، وكذا حُكْم المَشاهد التي بُنِيَت على القبور والتي اتُّخِذَت أوثاناً تُعبَد مِن دون الله ، والأحجار التي تُقصَد لِلتَّبَرُّك والنذر لا يجوز إبقاء شيء منها على وجْه الأرض مع القدرة على إزالتها ، وكثير منها بمنزلة اللات والعُزَّى ومناة أو أَعظَم شِرْكا .

    ومِثْل هذه النصوص كثيرة ، نُحِيل القارئ إليها ، وهي تُبَيِّن كيف حال مدرسة ابن عبد الوهاب مع مُخالِفيهم !!

 

الركيزة الخامسة

أسلوبهم في فهْم النصوص

 

    وتَمتاز مدرسة محمد بن عبد الوهاب بالنسبة لِلنصوص بميزات :

الأولى : تطبيق الآيات القرآنية والأحاديث النَّبويَّة التي نزلَت في المشرِكين على المسلمين اليوم ، وهي خاصّية تَمَيَّزَت بها الفِرَق الضّالّة مِثْل الخوارج والشيعة (1) ..

    ونرى ذلك في النصوص الأساسية التي ذَكَرها كتاب " التوحيد " (2) وغيْرها مِن النصوص التي وردَت في فِكْرهم :

(1) المجال لا يتّسع لِذِكْرها ، ويمكن الرجوع إليها في كُتُبهم .

(2) لِمحمَّد بن عبد الوهاب ، وهو أساس فِكْر مدرسة محمد بن عبد الوهاب .

1- قول الله تعالى { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلا وُهُم مُّشْرِكُون } (1) ..

    يطبِّقونها على المسلمين ، ويَستندون إليها في أنّها نزلَت في الأُمَّة الإسلامية عامّةً ، بيْنما حين تقرأ الآيات كاملةً تجدها نزلَت في مُشْرِكي مكة !

2- قوله تعالى { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاءِ شُفَعَـؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِـّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِى السَّمَـوَتِ وَلا فِى الأَرْضِ سُبْحَـنَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون } (2) وقوله تعالى { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } (3) ..

    فيُطَبِّقون هذه الآيات على أُمَّة الإسلام لِيُخْرِجوهم إلى حظيرة الشِّرْك والكفر .

(1) يوسف : 106

(2) يونس : 18

(3) الزمر : 3

3- قول النَّبِيّ صص { لاَ يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللاَّتُ وَالْعُزَّى } (1) ..

    وحين نقرأ الحديث حتَّى آخِره نجده يَذكر حال الخَلْق حين تَقوم القيامة ، ولكنّهم يَستندون إلى الحديث في إثبات أنّ أُمَّة الإسلام عادت إلى الشِّرْك والكفر !

4- قول الله تعالى { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـعَةُ الشَّـفِعِين } (2) وقوله تعالى { وَمَا لَهُمْ فِى الأَرْضِ مِن وَلِىّ وَلا نَصِير } (3) وقوله تعالى { قُل لِـّلَّهِ الشَّفَـعَةُ جَمِيعا } (4) والتي نزلت في المشركين ..

    يَستندون إلى هذه الآيات وأمثالها لِنفْي طلب الشفاعة مِن المخلوقين ولو كان النَّبِيّ محمد صص !

(1) رواه مسلم .

(2) المدثِّر : 48

(3) التوبة : 74

(4) ؟؟؟

5- قوله تعالى { قُلْ إِنّـى لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا } (1) ..

    يَستندون إلى الآية في إثبات أنّ النَّبِيّ صص لا يَملك لأُمَّته ضرّاً ولا رشدا ، فمَن قال :" يا محمد " فقدْ خالَف الله ورسوله وكَفَر ؛ لأنّه جعَل النَّبِيّ يملك له ضرّاًَ ورشدا !

6- قوله تعالى { فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِـّى وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدا } (2) ، وحديث { مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَاماً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار } (3) ..

(1) الجن : 21

(2) الجن : 18 - 20

(3) رواه الترمذي .

    فيُثبِتون بذلك أنّ القيام أدباً لأي مخلوق يُعَدّ شِرْكاً ، وأنّ نداء أحد مِن المخلوقين شِرْك ؛ لأنّ هذا مِن تعظيم الله تعالى .

7- قوله تعالى { وَأَذّن فِى النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالا … } (1) ..

    فيُثبِتون بالآية أنّ السفر إلى قبْر النَّبِيّ صص ومَشاهِده وآثاره وكذا قبْر أيّ نبيّ أو وليّ إنَّما هو شِرْك أَكبَر ؛ لأنّ الله خَصَّص تلك الأمور لِذاته .

8- الآيات التي نزلَت في عِلْم الغيب { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُو } (2) { قُل لا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَـوَتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّه } (3) { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَة } (4) { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوء } (5) ..

(1) الحج : 27

(2) الأنعام : 59

(3) النمل : 65

(4) لقمان : 34

(5) الأعراف : 188

    يقولون : إنّ عِلْم الغيب مِن اختصاص الله ، ويُنفَى عن غيْره ، وأنّ مَن أَثبَته لِغيْر الله ـ كنبيّ أو وليّ أو مَلَك أو جِنِّيّ ـ فقدْ أَشرَك بالله شِرْكاً أَكبر .

    في حين أنّ الآيات تدلّ على الآتي :

أ- أنّ عِلْم الغيب مختصّ بالله تعالى ومنفيّ عن غيْره ، ولا علاقة لها بالشَّرْك !

ب- أنّ هناك الغيب المطلَق وهو الخاصّ بالله تعالى لا يَعلَمه إلا هو ، وهناك الغيب الإضافيّ ، وهو ما يثبت في اللوح المحفوظ ثُمّ يتنزل إلى السماء الدنيا أو إلى عالَم الواقع ، فيَعلمه مَن يرتضيه الله تعالى ؛ مصداقاً لِقوله تعالى { فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول } (1) وقوله { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } (2) .

(1) الجن : 26

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

« ملتمس
ركائز التوحيد تابع 2 »