ركائز التوحيد في مدرسة محمدبن عبد الوهاب 6 تابع
كتبهاأحباب الشيخ التجاني ، في 25 أبريل 2008 الساعة: 19:06 م
البحث الثالث : عن الحُكْم الشّرعيّ ..
ولِلإسلام والإيمان حُكْمان : أخرويّ ، ودنيويّ ..
أمّا الأخرويّ : فهو الإخراج مِن النار ومنع التخليد ؛ إذ قال رسول الله صص { يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان } (2) .
(1) ؟؟؟
(2) رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدريّ ضض .
وقد اختلفوا في أنّ هذا الحُكْم على ماذا يترتب ؟ وعَبَّروا عنه بأنّ الإيمان ماذا هو ؟
فمِن قائل : إنّه مُجَرَّد العقد .
ومِن قائل يقول : إنّه عقْد بالقلب وشهادة باللسان .
ومِن قائل يزيد ثالثاً وهو : العمل بالأركان .
ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول :
مَن جَمَع بيْن هذه الثلاثة فلا خلاف في أنّ مستقَرَّه الجَنّة ، وهذه درجة .
الدرجة الثانية : أنْ يوجَد اثنان وبعض الثالث ، وهو القول والعقد وبعض الأعمال ، ولكن ارتكَب صاحِبه كبيرةً أو بعض الكبائر ..
فعند هذا قالت المعتزلة : خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الكفر ، بل اسمه " فاسِق " ، وهو على منزلة بيْن المنزلتيْن ، وهو مخلد في النار .
وهذا باطِل كما سنَذكره .
الدرجة الثالثة : أنْ يوجَد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح ..
وقد اختلفوا في حُكْمه :
فقال أبو طالب المكِّيّ : العمل بالجوارح مِن الإيمان ، ولا يَتِمّ دونه ، وادَّعى الإجماع فيه ، واستدَل بأدلة تُشْعِر بنقيض غرضه : كقوله تعالى { الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـت } (1) ؛ إذ هذا يدلّ على أنّ العمل وراء الإيمان لا مِن نَفْس الإيمان ؛ وإلا فيَكون العمل في حُكْم المُعاد .
والعجب أنّه ادَّعى الإجماع في هذا وهو مع ذلك يَنقل قوله صص { لاَ يُكَفَّرْ أَحَدٌ إِلاَّ بَعْد جُحُودِهِ لِمَا أَقَرَّ بِه } (2) ، ويُنكِر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر ، والقائل بهذا قائل بنَفْس مذهب المعتزلة !
(1) ؟؟؟
(2) رواه الطّبرانيّ في " الأوسط " عن أبي سعيد الخدريّ ضض .
إذ يقال له : مَن صَدَّق بقلبه وشَهِد بلسانه ومات في الحال : فهلْ هو في الجَنّة ؟
فلا بُدّ أنْ يقول : نَعَمْ .
وفيه حُكْم بوجود الإيمان دون العمل .
فنزيد ونقول : لو بقي حيّاً حتَّى دخَل عليه وقْت صلاة واحدة فتَرَكها ثُمّ مات ، أو زنا ثُمّ مات : فهلْ يُخَلَّد في النّار ؟
فإنْ قال :" نَعَمْ " فهو مراد المعتزلة .
وإنْ قال " لا " فهو تصريح بأنّ العمل ليس ركناً مِن نَفْس الإيمان ولا شرطاً في وجوده ولا في استحقاق الجَنَّة به .
وإنْ قال :أردتُ به أنْ يعيش مدّةً طويلةً ولا يُصَلِّي ولا يُقْدِم على شيء مِن الأعمال الشّرعيّة ..
فنقول : فما ضبْط تلك المدّة ؟ وما عَدَد تلك الطاعات التي بترَْكها يبطل الإيمان ؟ وما عَدَد الكبائر التي بارتكابها يبطل الإيمان ؟
وهذا لا يمكن التحكم بتقديره ، ولم يَصِر إليه صائر أصلا .
الدرجة الرابعة : أنْ يوجَد التصديق بالقلب قَبْل أنْ ينطق باللسان أو يَشتغل بالأعمال ومات : فهلْ نقول : مات مؤمِناً بيْنه وبيْن الله تعالى ؟
وهذا مما اختُلِف فيه .
ومَن شَرَط القول لِتمام الإيمان يقول : هذا مات قَبْل الإيمان ..
وهو فاسِد ؛ إذ قال صص { يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان } (1) ، وهذا قَلْبه طافِح بالإيمان ، فكيف يُخَلَّد في النار ؟!
ولم يشترط في حديث جبريل عع (2) لِلإيمان إلا التّصديق بالله تعالى وملائكته وكُتُبه واليوم الآخِر كما سَبَق .
(1) سبق تخريجه .
(2) سبق تخريجه .
الدرجة الخامسة : أنْ يُصَدِّق بالقلب ويساعِده مِن العُمُر مهلة النُّطق بكلمتَيِ الشّهادة وعَلِم وجوبها ولكنّه لم يَنطق بها ..
فيحتمل أنْ يُجعَل امتناعه عن النطق كامتناعه عن الصلاة ، ونقول : هو مؤمِن غيْر مُخَلَّد في النار ..
والإيمان هو التّصديق المَحْض ، واللسان ترجمان الإيمان ، فلا بُدّ أنْ يَكون الإيمان موجوداً بتمامه قَبْل اللسان ؛ حتَّى يترجِمه اللسان ، وهذا هو الأظهر ؛ إذ لا مستنَد إلا اتِّباع موجب الألفاظ ووضْع اللسان أنّ الإيمان هو عبارة عن التّصديق بالقلب ، وقد قال صص { يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان } ، ولا يَنعدم الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق الواجب كما لا ينعدم بالسكوت عن الفعل الواجب .
وقال قائلون : القول ركْن ؛ إذ ليس كَلِمَتَا الشّهادة إخباراً عن القلب ، بل هو إنشاء عقْد آخَر وابتداء شهادة والتزام ، والأول أَظهَر .
وقد غلا في هذا طائفة المُرجِئة فقالوا : هذا لا يُدْخِل النّار أصلاً ، وقالوا : إنّ المؤمِن وإنْ عصى فلا يدخل النار ..
وسنُبْطِل ذلك عليهم .
الدرجة السّادسة : أنّ يقول بلسانه " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ولكنْ لم يُصَدِّق بقلبه ..
فلا نَشُكّ في أنّ هذا في حُكْم الآخرة مِن الكفار وأنّه مُخَلَّد في النار ، ولا نَشُكّ في أنّه في حُكْم الدنيا لِلذي يتعلق بالأئمة والولاة مِن المسلمين ؛ لأن قَلْبه لا يُطَّلَع عليه ، وعلينا أنْ نَظُنّ به أنّه ما قاله بلسانه إلا وهو منطوٍ عليه في قلْبه ..
وإنّما نَشُكّ في أمْر ثالث وهو الحُكْم الدّنيويّ فيما بيْنه وبيْن الله تعالى ، وذلك بأنْ يَموت له في الحال قريب مُسْلِم ثُمّ يُصَدِّق بَعْد ذلك بقلْبه ثُمّ يستفتى ويقول : كُنْتُ غيْر مُصَدِّق بالقلب حالة الموت ، والميراث الآن في يدي : فهلْ يَحِلّ لي بيْني وبيْن الله تعالى ؟
أو نكح مسلمةً ثُمّ صَدَّق بقلْبه : هلْ تَلزمه إعادة النكاح ؟
هذا محلّ نظر :
فيحتمل أنْ يقال : أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهراً وباطنا .
ويحتمل أنْ يقال : تناط بالظاهر في حقّ غيْره ؛ لأنّ باطِنه غيْر ظاهِر لِغيْره ، وباطِنه ظاهِر له في نَفْسه بيْنه وبيْن الله تعالى .
والأظهر والعلم عند الله تعالى : أنّه لا يَحِلّ له ذلك الميراث ، ويَلزمه إعادة النكاح ، ولِذلك كان حذيفة ضض لا يَحضُر جنازة مَن يموت مِن المنافقين ، وعُمَر ضض كان يراعِي ذلك منه ؛ فلا يَحضُر إذا لم يَحضُر حذيفة ضض .
والصلاة فِعْل ظاهِر في الدنيا وإنْ كانت مِن العبادات ، والتَّوَقِّي عن الحرام ـ أيضاً ـ مِن جملة ما يجب لله كالصلاة ؛ لِقوله صص { طَلَبُ الْحَلاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ فَرِيضَة } (1) .
(1) ؟؟؟خ
وليس هذا مناقِضا لِقولنا إنّ الإرث حُكْم الإسلام ، وهو الاستسلام ، بل الاستسلام التّامّ هو ما يَشمل الظّاهر والباطن .
وهذه مباحث فقهية ظنِّيَّة تُبْنَى على ظواهر الألفاظ والعمومات والأقيسة ، فلا ينبغي أنْ يَظُنّ القاصر في العلوم أنّ المطلوب فيه القَطْع مِن حيث جرت العادة بإيراده في فنّ الكلام الذي يُطْلَب فيه القَطْع ، فما أَفلَح مَن نظر إلى العادات والمراسم في العلوم .
فإنْ قُلْتَ : فما شبهة المعتزلة والمُرْجِئة ؟ وما حُجّة بطلان قولهم ؟
فأقول : شبْهتُهم عمومات القرآن ..
أمّا المرجِئة فقالوا : لا يدخل المؤمنُ النارَ وإنْ أتى بكُلّ المعاصي ؛ لِقوله عَزّ وجَلّ { فَمَن يُؤْمِن بِرَبِـّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقا } (1) ، ولِقوله سبحانه وتعالى { وَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَـئكَ هُمُ الصِـّدّيقُون } (2) الآية ، ولِقوله تعالى { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } إلى قوله { فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْء } (3) ؛ فقوله { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْج } عامّ ، فينبغي أنْ يَكون مَن أُلْقِيَ في النّار مكذِّبا .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
ولِقوله تعالى { لا يَصْلَـهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى } (1) ، وهذا حصْر وإثبات ونفْي .
ولِقوله تعالى { مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِـّنْهَا وَهُم مِـّن فَزَعٍ يَّوْمَئذٍ ءَامِنُون } (2) ، فالإيمان رأْس الحسنات .
ولِقوله تعالى { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين } (3) ، وقال تعالى { إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا } (4) .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
(4) ؟؟؟
ولا حُجَّة لهم في ذلك ؛ فإنّه حيث ذُكِر الإيمان في هذه الآيات أُرِيدَ به الإيمان مع العمل ؛ إذ بَيَّنَّا أنّ الإيمان قد يُطْلَق ويراد به الإسلام ، وهو الموافَقة بالقلب والقول والعمل ..
ودليل هذا التأويل : أخبار كثيرة في معاقَبة العاصين ومقادير العقاب ، وقوله صص { يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان } ؛ فكيف يُخْرَج إذا لم يُدْخَل ؟!
ومِن القرآن : قوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } (1) ، والاستثناء بالمشيئة يدلّ على الانقسام .
وقوله تعالى { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـلِدِينَ فِيهَا } (2) ، وتخصيصه بالكفر تَحَكُّم .
وقوله تعالى { أَلا إِنَّ الظَّـلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيم } (3) ، وقال تعالى { وَمَن جَاءَ بِالسَّيِـّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّار } (4) .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
(4) ؟؟؟
فهذه العمومات في معارَضة عموماتهم ، ولا بُدّ مِن تسليط التّخصص والتأويل على الجانبيْن ؛ لأنّ الأخبار مُصَرِّحة بأنّ العصاة يُعَذَّبون ..
بل قوله تعالى { وَإِن مِـّنكُمْ إِلا وَارِدُها } (1) كالصريح في أنّ ذلك لا بُدّ منه لِلكُلّ ؛ إذ لا يَخْلو مؤمِن عن ذنْب يَرتكِبه .
وقوله تعالى { لا يَصْلَـهَا إِلا الأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى } (2) أراد به مِن جماعة مخصوصين ، أو أراد بـ{ الأَشْقَى } شخصاً مُعَيَّناً أيضا .
وقوله تعالى { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } (3) أيْ فوْج مِن الكفار ، وتخصيص العمومات قريب .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
ومِن هذه الآية وقَع لِلأشعريّ وطائفة مِن المتكلِّمين إنكار صِيَغ العموم وأنّ هذه الألفاظ يُتَوَقَّف فيها إلى ظهور قرينة تدلّ على معناها .
وأمّا المعتزلة فشبْهتهم : قوله تعالى { وَإِنِـّى لَغَفَّارٌ لِـّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـلِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } (1) ، وقوله تعالى { وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَـنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـلِحَـت } (2) ، وقوله تعالى { وَإِن مِـّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِـّكَ حَتْمًا مَّقْضِيّا } (3) ثُمّ قال { ثُمَّ نُنَجِـّى الَّذِينَ اتَّقَوْا } (4) ، وقوله تعالى { وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّم } (5) ، وكُلّ آية ذَكَر الله عَزّ وجَلّ العملَ الصالحَ فيها مقروناً بالإيمان ، وقوله تعالى { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِـّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَـلِدًا فِيهَا } (6) .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
(4) ؟؟؟
(5) ؟؟؟
(6) ؟؟؟
وهذه العمومات ـ أيضاً ـ مخصوصة ؛ بدليل قوله تعالى { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } (1) ، فينبغي أنْ تَبْقى له مشيئة في مغفرة ما سِوَى الشِّرْك .
وكذلك قوله صص { يُخْرَجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَان } .
وقوله تعالى { إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا } (2) ، وقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين } (3) ، فكيف يضيع أجْر أصْل الإيمان وجميع الطاعات بمعصية واحدة ؟!
وقوله تعالى { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِـّدا … } (4) أيْ لإيمانه ، وقد وَرَد على مِثْل هذا السبب .
(1) ؟؟؟
(2) ؟؟؟
(3) ؟؟؟
(4) ؟؟؟
فإنْ قُلْتَ : فقدْ مال الاختيار إلى أنّ الإيمان حاصِل دون العمل ، وقد اشتهر عن السلف قولهم :" الإيمان عقْد وقول وعمل " ، فما معناه ؟
قُلْنَا : لا يَبْعُد أنْ يُعَدّ العمل مِن الإيمان ؛ لأنّه مُكَمِّل له ومُتَمِّم ، كما يقال : الرأس واليدان مِن الإنسان ، ومعلوم أنّه يخرج عن كوْنه إنساناً بعدم الرأس ، ولا يخرج عنه بكوْنه مقطوع اليد ..
وكذلك يقال : التّسبيحات والتّكبيرات مِن الصّلاة وإنْ كانت لا تبطل بفقدها .
فالتصديق بالقلب مِن الإيمان كالرأس مِن وجود الإنسان ؛ إذ ينعدم بعدمه ، وبقيّة الطّاعات كالأطراف بعضُها أعلى مِن بعض .
وقد قال صص { لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِن } (1) ، والصحابة ضضض ما اعتقَدوا مذهب المعتزلة في الخروج عن الإيمان بالزّنا ، ولكنْ معناه : غيْر مؤمِن حقّاً إيماناً تامّاً كاملاً ، كما يقال لِلعاجز المقطوع الأطراف " هذا ليس بإنسان " أيْ ليس له الكمال الذي هو وراء حقيقة الإنسانيّة .
(1) أَخرَجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ضض .
مسألة : فإنْ قُلْتَ : فقد اتَّفَق السَّلف على أنّ الإيمان يزيد وينقص : يزيد بالطاعة ، وينقص بالمعصية ، فإذا كان التّصديق هو الإيمان فلا يُتَصَوَّر فيه زيادة ولا نقصان ..
فأقول : السَّلف هم الشّهود العدول ، وما لأحد عن قولِهم عدول ، فما ذكَروه حقّ ، وإنّما الشأن في فهْمه ، وفيه دليل على أنّ العمل ليس مِن أجزاء الإيمان وأركان وجوده ، بل هو مزيد عليه يزيد به والزائد موجود والناقص موجود والشيء لا يزيد بذاته فلا يجوز أن يقال الإنسان يزيد برأسه بل يقال يزيد بلحيته وسمنه ولا يجوز أن يقال الصلاة تزيد بالركوع والسجود بل تزيد بالآداب والسنن فهذا تصريح بأن الإيمان له وجود ثم بعد الوجود يختلف حاله بالزيادة والنقصان فإن قلت فالإشكال قائم في أن التصديق كيف يزيد وينقص وهو خصلة واحدة فأقول إذا تركنا المداهنة ولم نكترث بتشغيب من تشغب وكشفنا الغطاء ارتفع الإشكال فنقول الإيمان اسم مشترك يطلق من ثلاثة أوجه الأول أنه يطلق للتصديق بالقلب على سبيل الاعتقاد والتقليد من غير كشف وانشراح صدر وهو إيمان العوام بل إيمان الخَلْق كلهم إلا الخواص وهذا الاعتقاد عقدة عن القلب تارة تشتد وتقوى وتارة تضعف وتسترخي كالعقدة على الخيط مثلا ولا تستبعد هذا واعتبره باليهودي وصلابته في عقيدته التي لا يمكن نزوعه عنها بتخويف وتحذير ولا بتخييل ووعظ ولا تحقيق وبرهان وكذلك النصراني والمبتدعة وفيهم من يمكن تشكيكه بأدنى كلام ويمكن استنزاله عن اعتقاده بأدنى استمالة أو تخويف مع أنه غير شاك في عقده كالأول ولكنهما متفاوتان في شدة التصميم وهذا موجود في الاعتقاد الحق أيضا والعمل يؤثر في نماء هذا التصميم وزيادته كما يؤثر سقي الماء في نماء الأشجار ولذلك قال الله تعالى فزادتهم إيمانا وقال تعالى ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروى في بعض الأخبار الإيمان يزيد وينقص حديث الإيمان يزيد وينقص أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة وقال ابن عدي باطل فيه محمد بن أحمد بن حرب الملحي يتعمد الكذب وهو عند ابن ماجه موقوف على أبي هريرة وابن عباس وأبي الدرداء وذلك بتأثير الطاعات في القلب وهذا لا يدركه إلا من راقب أحوال نفسه في أوقات المواظبة على العبادة والتجرد لها بحضور القلب مع أوقات الفتور وإدراك التفاوت في السكون إلى عقائد الإيمان في هذه الأحوال حتى يزيد عقده استعصاء على من يريد حله بالتشكيك بل من يعتقد في اليتيم معنى الرحمة إذا عمل بموجب اعتقاده فمسح رأسه وتلطف به أدرك من باطنه تأكيد الرحمة وتضاعفها بسبب العمل وكذلك معتقد التواضع إذا عمل بموجبه عملا مقبلا أو ساجدا لغيره أحس من قلبه بالتواضع عند إقدامه على الخدمة وهكذا جميع صفات القلب تصدر منها أعمال الجوارح ثم يعود أثر الأعمال عليها فيؤكدها ويزيدها وسيأتي هذا في ربع المنجيات والمهلكات عند بيان وجه تعلق الباطن بالظاهر والأعمال بالعقائد والقلوب فإن ذلك من جنس تعلق الملك بالملكوت وأعني بالملك عالم الشهادة المدرك بالحواس وبالملكوت عالم الغيب المدرك بنور البصيرة والقلب من عالم الملكوت والأعضاء وأعمالها من عالم الملك ولطف الارتباط ودقته بين العالمين انتهى إلى حد ظن بعض الناس اتحاد أحدهما بالآخر وظن آخَرون أنه لا عالم إلا عالم الشهادة وهو هذه الأجسام المحسوسة ومن أدرك الأمرين وأدرك تعددهما ثم ارتباطهما عبر عنه فقال رق الزجاج ورقت الخمر وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر ولنرجع إلى المقصود فإن هذا العلم خارج عن علم المعاملة ولكن بين العلمين أيضا اتصال وارتباط فلذلك ترى علوم المكاشفة تتسلق كل ساعة على علوم المعاملة إلى أن تنكشف عنها بالتكليف فهذا وجه زيادة الإيمان بالطاعة بموجب هذا الإطلاق ولهذا قال علي كرم الله وجهه إن الإيمان ليبدو لمعة بيضاء فإذا عمل العبد الصالحات نمت فزادت حتى يبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء فإذا انتهك الحرمات نمت وزادت حتى يسود القلب كله فيطبع عليه فذلك هو الختم وتلا قوله تعالى كلا بل ران على قلوبهم الآية الإطلاق الثاني أن يراد به التصديق والعمل جميعا كما قال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا حديث الإيمان بضع وسبعون بابا وذكر بعد هذا فزاد فيه أدناها إماطة الأذى عن الطريق أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة الإيمان بضع وسبعون زاد مسلم في رواية وأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها فذكره ورواه بلفظ المصنف الترمذي وصححه وقال صلى الله عليه وسلم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وإذا دخل العمل في مقتضى لفظ الإيمان لم تخف زيادته ونقصانه وهل يؤثر ذلك في زيادة الإيمان الذي هو مجرد التصديق هذا فيه نظر وقد أشرنا إلى أنه يؤثر فيه الإطلاق الثالث أن يراد به التصديق اليقيني على سبيل الكشف وانشراح الصدر والمشاهدة بنور البصيرة وهذا أبعد الأقسام عن قبول الزيادة ولكني أقول الأمر اليقيني الذي لا شك فيه تختلف طمأنينة النفس إليه فليس طمأنينة النفس إلى أن الاثنين أكثر من الواحد كطمأنينتها إلى أن العالم مصنوع حادث وإن كان لا شك في واحد منهما فإن اليقينيات تختلف في درجات الإيضاح ودرجات طمأنينة النفس إليها وقد تعرضنا لهذا في فصل اليقين من كتاب العلم في باب علامات علماء الآخرة فلا حاجة إلى الإعادة وقد ظهر في جميع الإطلاقات أن ما قالوه من زيادة الإيمان ونقصانه حق وكيف وفي الأخبار أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وفي بعض المواضع في خبر آخر مثقال دينار حديث يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار متفق عليه من حديث أبي سعيد وسيأتي ذكر الموت وما بعده فأي معنى لاختلاف مقاديره إن كان ما في القلب لا يتفاوت .
مسألة : فإن قلت ما وجه قول السلف أنا مؤمن إن شاء الله والاستثناء شك والشك في الإيمان كفر وقد كانوا كلهم يمتنعون عن جزم الجواب بالإيمان ويحترزون عنه فقال سفيان الثوري رحمه الله من قال أنا مؤمن عند الله فهو من الكذابين ومن قال أنا مؤمن حقا فهو بدعة فكيف يكون كاذبا وهو يعلم أنه مؤمن في نفسه ومن كان مؤمنا في نفسه كان مؤمنا عند الله كما أن من كان طويلا وسخيا في نفسه وعلم ذلك كان كذلك عند الله وكذا من كان مسرورا أو حزينا أو سميعا أو بصيرا ولو قيل للإنسان هل أنت حيوان لم يحسن أن يقول أنا حيوان إن شاء الله ولما قال سفيان ذلك قيل له فماذا نقول قال قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وأي فرق بين أن يقول آمنا بالله وما أنزل إلينا وبين أن يقول أنا مؤمن وقيل للحسن أمؤمن أنت فقال إن شاء الله فقيل له لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان فقال أخاف أن أقول نعم فيقول الله سبحانه كذبت يا حسن فتحق علي الكلمة وكان يقول ما يؤمنني أن يكون الله سبحانه قد اطلع علي في بعض ما يكره فمقتني وقال اذهب لا قبلت لك عملا فأنا أعمل في غير معمل وقال إبراهيم بن أدهم إذا قيل لك أمؤمن أنت فقل لا إله إلا الله وقال مرة قل أنا لا أشك في الإيمان وسؤالك إياي بدعة وقيل لعلقمة أمؤمن أنت قال أرجو إن شاء الله وقال الثوري نحن مؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وما ندري ما نحن عند الله تعالى فما معنى هذه الاستثناءات فالجواب أن هذا الاستثناء صحيح وله أربعة أوجه وجهان مستندان إلى الشك لا في أصل الإيمان ولكن في خاتمته أو كماله ووجهان لا يستندان إلى الشك الوجه الأول الذي لا يستند إلى معارضة الشك الاحتراز من الجزم خيفة ما فيه من تزكية النفس قال الله تعالى فلا تزكوا أنفسكم وقال ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم وقال تعالى انظر كيف يفترون على الله الكذب وقيل لحكيم ما الصدق القبيح فقال ثناء المرء على نفسه والإيمان من أعلى صفات المجد والجزم تزكية مطلقة وصيغة الاستثناء كأنها ثقل من عرف التزكية كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر فيقول نعم إن شاء الله لا في معرض التشكيك ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف اللازم من لوازم الخبر وهو التزكية وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء الوجه الثاني التأدب بذكر الله تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله سبحانه فقد أدب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ثم لم يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه بل قال تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين وكان الله سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة وأنه شاءه ولكن المقصود تعليمه ذلك فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما كان يخبر عنه معلوما كان أو مشكوكا حتى قال صلى الله عليه وسلم لما دخل المقابر السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون حديث لما دخل المقابر قال السلام عليكم دار قوم مؤمنين الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة واللحوق بهم غير مشكوك فيه ولكن مقتضى الأدب ذكر الله تعالى وربط الأمور به وهذه الصيغة دالة عليه حتى صار بعرف الاستعمال عبارة عن إظهار الرغبة والتمني فإذا قيل لك إن فلانا يموت سريعا فتقول إن شاء الله فيفهم منه رغبتك لا تشككك وإذا قيل لك فلان سيزول مرضه ويصح فتقول إن شاء الله
بمعنى الرغبة فقد صارت الكلمة معدولة عن معنى التشكيك إلى معنى الرغبة وكذلك العدول إلى معنى التأدب لذكر الله تعالى كيف كان الأمر الوجه الثالث مستنده الشك ومعناه أنا مؤمن حقا إن شاء الله إذ قال الله تعالى لقوم مخصوصين بأعيانهم أولئك هم المؤمنون حقا فانقسموا إلى قسمين ويرجع هذا إلى الشك في كمال الإيمان لا في أصله وكل إنسان شاك في كمال إيمانه وذلك ليس بكفر والشك في كمال الإيمان حق من وجهين أحدهما من حيث إن النفاق يزيل كمال الإيمان وهو خفي لا تتحقق البراءة منه والثاني أنه يكمل بأعمال الطاعات ولا يدري وجودها على الكمال أما العمل فقد قال الله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون فيكون الشك في هذا الصدق وكذلك قال الله تعالى ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين فشرط عشرين وصفا كالوفاء بالعهد والصبر على الشدائد ثم قال تعالى أولئك الذين صدقوا وقد قال تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل الآية وقد قال تعالى هم درجات عند الله وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان عريان ولباسه التقوى حديث الإيمان عريان تقدم في العلم الحديث وقال صلى الله عليه وسلم الإيمان بضع وسبعون بابا أدناها إماطة الأذى عن الطريق فهذا ما يدل على ارتباط كمال الإيمان بالأعمال وأما ارتباطه بالبراءة عن النفاق والشرك الخفي فقوله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه فهو منافق خالص وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإذا خاصم فجر حديث أربع من كن فيه فهو منافق الحديث متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو وفي بعض الروايات وإذا عاهد غدر وفي حديث أبي سعيد الخدري القلوب أربعة قلب أجرد وفيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء العذب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد فأي المادتين غلب عليه حكم له بها حديث القلوب أربعة قلب أجرد الحديث أخرجه أحمد من حديث أبي سعيد وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه وفي لفظ آخر غلبت عليه ذهبت به وقال عليه السلام أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها حديث أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها أخرجه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر وفي حديث الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا حديث الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا أخرجه أبو يعلى وابن عدي وابن حبان في الضعفاء من حديث أبي بكر ولأحمد والطبراني نحوه من حديث أبي موسى وسيأتي في ذم الجاه والرياء وقال حذيفة رضي الله عنه كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا إلى أن يموت وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات حديث حذيفة كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا الحديث أخرجه أحمد بإسناد فيه جهالة وحديث حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث أخرجه البخاري إلا أنه قال شر بدل أكثر وقال بعض العلماء أقرب الناس من النفاق من يرى أنه برىء من النفاق وقال حذيفة المنافقون اليوم أكثر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه وهذا النفاق يضاد صدق الإيمان وكماله وهو خفي وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه برىء منه فقد قيل للحسن البصري يقولون أن لا نفاق اليوم فقال يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق وقال هو أو غيره لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنا وسمع ابن عمر رضي الله عنه رجلا يتعرض للحجاج فقال أرأيت لو كان حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه فقال لا فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث سمع ابن عمر رجلا يتعرض للحجاج فقال أرأيت لو كان حاضرا أكنت تتكلم فيه قال لا قال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والطبراني بنحوه وليس فيه ذكر الحجاج وقال صلى الله عليه وسلم من كان ذا لسانين في الدنيا جعله الله ذا لسانين في الآخرة وقال أيضا صلى الله عليه وسلم شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه وقيل للحسن إن قوما يقولون إنا لا نخاف النفاق فقال والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من تلاع الأرض ذهبا وقال الحسن إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسر والعلانية والمدخل والمخرج وقال رجل لحذيفة رضي الله عنه إني أخاف أن أكون منافقا فقال لو كنت منافقا ما خفت النفاق إن المنافق قد أمن النفاق وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين ومائة وفي رواية خمسين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخافون النفاق وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا وأكثروا الثناء عليه فبيناهم كذلك إذ طلع عليهم الرجل ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء وقد علق نعله بيده وبين عينيه أثر السجود فقالوا يا رسول الله هذا هو الرجل الذي وصفناه فقال صلى الله عليه وسلم أرى على وجهه سفعة من الشيطان فجاء الرجل
حتى سلم وجلس مع القوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نشدتك الله هل حدثت نفسك حين أشرفت على القوم أنه ليس فيهم خير منك فقال اللهم نعم حديث كان جالسا في جماعة من أصحابه فذكروا رجلا فأكثروا الثناء عليه فبينما هم كذلك إذ طلع رجل عليهم ووجهه يقطر ماء من أثر الوضوء الحديث أخرجه أحمد والبزار والدار قطني من حديث أنس فقال صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم إني أستغفرك لما علمت ولما لم أعلم فقيل له أتخاف يا رسول الله فقال وما يؤمنني والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقد قال سبحانه وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون حديث اللهم إني أستغفرك لما علمت وما لم أعلم الحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل ولأبي بكر بن الضحاك في الشمائل في حديث مرسل وشر ما أعلم وشر ما لا أعلم قيل في التفسير عملوا أعمالا ظنوا أنها حسنات فكانت في كفة السيئات وقال سرى السقطي لو أن إنسانا دخل بستانا فيه من جميع الأشجار عليها من جميع الطيور فخاطبه كل طير منها بلغة فقال السلام عليك يا ولي الله فسكنت نفسه إلى ذلك كان أسيرا في يديها فهذه الأخبار والآثار تعرفك خطر الأمر بسبب دقائق النفاق والشرك الخفي وأنه لا يؤمن منه حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة عن نفسه وأنه هل ذكر في المنافقين وقال أبو سليمان الداراني سمعت من بعض الأمراء شيئا فأردت أن أنكره فخفت أن يأمر بقتلي ولم أخف من الموت ولكن خشيت أن يعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت وهذا من النفاق الذي يضاد حقيقة الإيمان وصدقه وكماله وصفاءه لا أصله فالنفاق نفاقان أحدهما يخرج من الدين ويلحق بالكافرين ويسلك في زمرة المخلدين في النار والثاني يفضي بصاحبه إلى النار مدة أو ينقص من درجات عليين ويحط من رتبة الصديقين وذلك مشكوك فيه ولذلك حسن الاستثناء فيه وأصل هذا النفاق تفاوت بين السر والعلانية والأمن من مكر الله والعجب وأمور أخر لا يخلو عنها إلا الصديقون الوجه الرابع وهو أيضا مستند إلى الشك وإحياء علوم الدين
الجزء : 1 الصفحة : 125
عند باب الحجرة لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار وقال بعضهم لو عرفت واحدا بالتوحيد خمسين سنة ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد وفي الحديث من قال أنا مؤمن
فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل حديث من قال أنا مؤمن فهو كافر ومن قال أنا عالم فهو جاهل أخرجه الطبراني في الأوسط بالشطر الأخير منه من حديث ابن عمر وفيه ليث بن أبي سليم تقدم والشطر الأول روي من قول يحيى بن أبي كثير رواه الطبراني في الأصغر بلفظ من قال أنا في الجنة فهو في النار وسنده ضعيف وقيل في قوله تعالى وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا صدقا لمن مات على الإيمان وعدلا لمن مات على الشرك وقد قال تعالى ولله عاقبة الأمور فمهما كان الشك بهذه المثابة كان الاستثناء واجبا لأن الإيمان عبارة عما يفيد الجنة كما أن الصوم عبارة عما يبرىء الذمة وما فسد قبل الغروب لا يبرىء الذمة فيخرج عن كونه صوما فكذلك الإيمان بل لا يبعد أن يسأل عن الصوم الماضي الذي لا يشك فيه بعد الفراغ منه فيقال أصمت بالأمس فيقول نعم إن شاء الله تعالى إذ الصوم الحقيقي هو المقبول والمقبول غائب عنه لا يطلع عليه إلا الله تعالى فمن هذا حسن الاستثناء في جميع أعمال البر ويكون ذلك شكا في القبول إذ يمنع من القبول بعد جريان ظاهر شروط الصحة أسباب خفيفة لا يطلع عليها إلا رب الأرباب جل جلاله فيحسن الشك فيه فهذه وجوه حسن الاستثناء في الجواب عن الإيمان وهي آخر ما نختم به كتاب قواعد العقائد تم الكتاب بحمد الله تعالى صلى الله عليه وسلم و على سيدنا محمد وعلى كل عبد مصطفى .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























