من يحكم: العقل ام النص؟ محمد اقبال التجاني 1
كتبهاأحباب الشيخ التجاني ، في 26 أبريل 2008 الساعة: 18:50 م
هناك من يرفع شعار (درء تعارض العقل والنقل) وهو شعار صحيح وحقيقي، ولكن لا يحق لأحد أن يرفعه إلا من قدّم العقل على النقل؛ لأن السؤال المنطقي الذي سيوجه إلى قائله: كيف عرفت أن النقل لا يتعارض مع العقل؟!
فماذا يا ترى سيكون جوابه؟!
هناك من يرفض هذه القاعدة (العقل مقدم على النص) معترضاً باعتراضات، أذكرها واحدة بعد واحدة، فمن ذلك:
1. أن العقول تتفاوت فأي عقل هو المقصود بتقديمه على النص؟
2. حين تدعو إلى إقامة الإيمان على العقل فإنك تدعو إلى الشك في الدين، والشك في الدين كفر!.
3. إن في القرآن حججاً عقلية أقامها الله أدلة على المخالفين، وهذا كاف فيجب أن نتقيد به دون أن نلجأ إلى أدلة عقلية من خارج النص.
4. إن الدعوة إلى إعمال العقل وجعله الدليل الأول، إنما هي دعوة غرضها إيصال الناس إلى الإلحاد شعر الداعون بهذا أم لم يشعروا!.
5. إن تقديم العقل يقتضي تقديسه، وجعله حكماً على النص.
هذه بعض الاعتراضات التي عرفتها وسنتولى الرد عليها واحدة بعد الأخرى.
1. - أن العقول تتفاوت فأي عقل هو المقصود بتقديمه على النص؟
والإجابة:
إن العقل المقصود هو العقل النظري المجرّد الذي يعلم أن الجسم لا يكون في مكانين في وقت واحد، وأنه لا تأثير إلا بمؤثر، ولا ترجيح إلا بمرجح، ولا تغيير إلا بمغير، وأن من الحوادث ما لا يظهر إلا معلولاً للآخر (السببية)، وليس يقترن به فقط، وأن التسلسل والدور محالان، وأن الشيء لا يكون نفسه وغيره في الوقت نفسه، وأن المتناقضين لا يرتفعان ولا يجتمعان.
تلك القواعد العقلية (المجردة) التي ينطلق العقل منها في استدلالاته، هي ما يتفق عليه جميع عقلاء بني الإنسان، ولا يتفاوتون في تقديرهم لها، فحتى الجاحدون منهم، فإنهم يعيشون بيننا ويتصرفون كما نتصرف، ويبكون في مواطن البكاء، ويضحكون في أماكن الضحك، ويذهبون إلى الطبيب حين يمرضون،! ويغسلون ثيابهم حين تصيبها الأوساخ،! ولا يشكون في شيء من ذلك!.
هذا العقل الذي ينطلق في كل استدلالاته (على الإطلاق) من قواعد يتفق عليها مع جميع عقلاء بني الإنسان، ويبني كل استدلاله على معطيات عقلية مسلمة تعد الأرضية التي تبنى عليها جميع الاستدلالات، هو العقل المرجح الفاصل، وحتى حين تختلف العقول في أمر ما، أوحين تتفاوت، فإن هذا ليس بضار ولا بناقض لتقديم العقل، بل النقاش حينئذ لن يكون إلا بالعقل نفسه وبقواعده التي تفاهم البشر على أساسها، فالنتيجة أن اختلاف العقول لا يلغي العقل حال كونه دليلاً مستقلاً، أوحال كونه دليلاً أوليا مقدّماً تقام به الحجة على المخالفين.
ولكن هناك من سيعترض على ذلك بقوله إذا كان العقل مقدما على النقل فلماذا لا نكتفي بالعقل ونترك النقل؟ أي ما فائدة النقل في هذه الحالة؟
نجيب على هذا الاستشكال بقولنا: إن العقل هو الدليل إلى المعرفة ولكنه ليس الدليل الوحيد، فالعقل هو الدليل الأول الذي به عرفنا الدليل الثاني الذي هو النقل (النص القرآني) والعقل المجرد قد لا يتوصل إلى معرفة وجود عوالم خفية مثل الملائكة والجن وإن كان وجود هذا الخلق الخفي لا ينافي القواعد العقلية،! فإذا جاء النص النقلي مثلا بوجود أمثال هذه الكائنات فهذا لا يعارض العقل، وإن كان القول بوجودها لم يثبت بالدليل العقلي ولكن بالدليل النصي الذي لا يخالف الدليل العقلي.
حين تدعو إلى إقامة الإيمان على العقل، فإنك تدعو إلى الشك في الدين، والشك في الدين كفر!.
الإجابة:
هناك فرق بين الشك (المنهجي) الذي الغرض منه الوصول إلى الحقيقة، والشك (العبثي) الذي غرضه مجرد التشكيك في الدين فقط.
الشك المنهجي لا يخلو من أمرين:
أ. إما أن يعرف الناظر ـ مهما يكن دينه ـ أنه على باطل فيتجه إلى الدين الصحيح.
ب. وإما أن يستيقن بما عنده من الحق ويتمسك به على علم واستدلال لا على تقليد وتبعية.
وهذا الشك حين يكون منهجيا لا يسمى ناقضا للإيمان الذي تربى عليه الناظر، بل سيرافقه على افتراض أنه على حق، فإما أن يتأكد لديه أنه على الحق، وإما أن يعلم أن الحق في غير دينه، أوفي غير مذهبه، وحينئذ يختار الطريق الصحيح، ويقرر الدين الذي سيتديّن به، أو يختار أي منهج يسير عليه، هذا إن كان هذا الشك داخل إطار المذاهب والمنظومات العقدية.
وحين يرفع مسلم شعار (لا تشكوا، فإن الشك كفر)!، فإن من حق كل ذي دين أن يرفع هذا الشعار نفسه! وإذا كان الأمر كذلك، فليتمسك كل ذي دين بدينه، ولتغلق الآذان دون خطاب العقل! العقل الذي يرفض أن يكون الواحد ثلاثة!، والذي يرفض أن يكون لهذا الكون إلهان قديمان، والذي يرفض أن يكون الحجر والشجر إلهين يتصرفان في الوجود!.
العقل الذي يرفض أن يكون الخالق الواحد متعدداً تقوم بذاته المعاني القديمة أو المحدثة! ويرفض أن يكون الله العدل معذِّباً للعبد بسبب ما يخلقه هو في قلب العبد من الكفر، ويخلقه فيه من اختياره وفعله وكسبه إياه ثم يعذبه عليه، فهو يعذبه على ما خلقه هو فيه!، ويخلق في قلب غيره الإيمان والصلاح واختيار ذلك وفعله ثم ينعم عليه! فهو ينعم عليه بما خلقه هو فيه!.
هذا العقل الذي ربما يتفاوت فيه البشر، ولكنهم لا يتفاوتون في (الضرورات) و(البدهيات) التي ينطلقون منها في استدلالاته، هذا العقل يبقى هو الدليل الأول الذي يقيمون به الحجة بعضهم على بعض للوصول إلى الحق.
. إن في القرآن حججاً عقلية أقامها الله أدلة على المخالفين، وهذا كاف فيجب أن نتقيد به دون أن نلجأ إلى أدلة عقلية من خارج النص.
الإجابة:
إن هذا الدليل يخدم القائلين بتقديم العقل وليس العكس، فإذا كان النص نفسه يحيل على العقل، ويعتمد عليه في إقامة الدلالة والحجة على المخالفين؛ أليس من الواجب علينا أن نقتدي بالنص في هذا؟ وما الدليل على وجوب التقيد فقط بما في النص من دلائل دون غيرها؟ فإن العقل هو العقل! وإن أدلة العقل هي أدلة العقل! سواء ذكرت في النص أم لم تذكر..
ثم إذا كان الواجب أن نتقيد فقط بأدلة النص العقلية دون غيرها، فهذا على افتراض أنه من عند الله، وحينئذ فلا بد من الإجابة على السؤال:
كيف عرفنا الله تعالى ابتداء؟ وكيف علمنا أنه عدل حكيم لا يفعل القبيح ؟ هل بالعقل أم بالنص؟
إذا كانت الإجابة: بالنص!
فالسؤال هو:
كيف علمنا أن النص من عند الله؟
وإذن فلا بد من إقامة الدلالة بالعقل على كون النص من عند الله تعالى، ولا يمكن تصديق النص إلا حين يعلم قائله، وأنه عدل حكيم لا يكذب ولا يظلم ولا يغدر.
ثم، إن من جملة الاعتراضات على تقديم العقل أن العقل يتفاوت! والسؤال هو:
إذا كان العقل يتفاوت فلماذا يستخدم الله تعالى حججاً عقلية على المخالفين؟ أفلا يعلم أن العقل يتفاوت؟ أم أن تلك الأدلة العقلية موجهة لقوم بأعيانهم دون آخرين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلم التقيد فقط بالأدلة العقلية الموجودة في القرآن الكريم الموجهة إلى قوم محددين دون غيرها مما تقوم به الحجة على المخالف؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























يوليو 17th, 2008 at 17 يوليو 2008 10:12 ص
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
التمس منكم عنوان الدكتور محمد اقبال