التصوف الإسلامي ودوره فى حماية مقومات بناء الأمة الإسلامية
الشيخ / إبراهيم صالح
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الملك الحق المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه السادة المجاهدين .. وبعد
فإن التصوف مبدأ إيجابى فى بناء شخصية المؤمن. وكان هذا المبدأ بأبعاده التاريخية – جهاداً ومجاهدة ورباطاً ومرابطة وصبراً وتضحية – غائباً لمدة طويلة من حياة الناس فأصبح من الضرورى التذكير به فى جميع الاتجاهات والرجوع إليه لما له من أهمية فى اعادة بناء المجتمع الإيمانى القوى القادر على مواجهة التحديات والصمود والقادر على صنع قراره بنفسه وتحرير إرادته من التبعية والتقليد الأعمى للأعداء.
كانت المبادرة الكريمة من الأخ القائد العقيد / معمر القذافى بإصدار التوجيهات الى الأخ أمين الهيئة العامة للأوقاف بالجماهيرية الليبية بتلبية رغبات العديد من السادة أتباع الطرق الصوفية وشيوخها وأئمتها من شتى بلدان العالم لعقد ملتقى عالمى يضم جميع قادة الفكر الصوفى وأئمة الطرق فى طرابلس بالجماهيرية الليبية ، لها أثر طيب وموقع عظيم فى نفوس السادة الصوفية. ولقد تم ذلك بحمد الله على مرحلتين :
(الأولى ) حين حضر جمهور من الأخوة قادة الطرق الصوفية جلسة تحضيرية دامت يومين كاملين فى مدينة طرابلس تدارسوا فيها أهمية التصوف الإسلامى والطرق الصوفية وما يمكن أن يحققه التصوف الاسلامى للأمة الاسلامية فى ظروفها الراهنة.
(الثانية) حين عقد ملتقى التصوف الإسلامى العالمى تنفيذاً لهذه الفكرة فى السادس عشر من سبتمبر الفاتح عام 1995 بطرابلس. ولقد بحث الحضور التصوف من كل الجوانب ونظروا فى امكانية حشد جميع القوى من أجل التصدى للهجمة الشرسة من قبل الصليبية الحاقدة على الإسلام وأدركوا أن الحل لا يأتى بالإستسلام ولكن بالصمود والتصودى والرباط والجهاد وبعمارة الظاهر بصالح العمل والباطن وبالورع والزهد والتقوى مما يقوى الإرادة ويححرها من التبعية والجرى وراء المتع والملذات والركون الى الرعونات والراحات والانسياق وراء النزعة الاستهلاكية لمنتجات أعداء الإسلام.
ولقد تأكد لديهم أن إهمال هذا الجانب من تراثنا الإسلامى الأصيل كان واحداً من أكثر العوامل التى أثرت سلباً كما ترى فى تقاعس أمتنا عن الجهاد والترابط والصبر والمصابرة وجعلت الأمة جسداً هامداً بلا روح لفقدانها القيم الروحية التى ينادى بها التصوف الإسلامى كالزهد والورع والتقوى. ومعلوم أن طرق التصوف يقوم على أساس البيعة فيها على التقوى والأعمال الإسلامية التى من أبرزها رفض الباطل والهيمنة الأجنبية أيا كان نوعها أو مصدرها من النفس أو الشيطان أو الهوى أو الكفار.
إن الزهد الذى يتحدث عنه العديد من الأخوة الذين شاركوا فى هذا الملتقى العظيم يعنى ضمن ما يعنى خروج محبة كل عائق عن تحقيق الأهداف من القلب وإلقاء كل ما يثبط العزيمة أو يشوش الفكرة وراء الظهر. وأعلى ما فى الزهد هو الرضا بالله والاكتفاء به ونبذ كا ما يشغل عنه أو ينحرف بالإنسان عما كُلف به أو يحبس أو يقطع عن الحضور مع الله أو يحجب عن مشاهدة حضرته.
وأدنى ما فيه هو العزوف عن دار الغرور بالتمسك بعقد البيع الواقع بين العبد وربه ” ان الله اشتى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعداً عليه حقاً فى التوراة والأنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم " (التوبة : 111 ) ولا يتم مطلقاً الذهد فى المال والنفس إلا بالصدق فى المحافظة على هذا العقد بالصبر والمصابرة والرباط الدائم ، قال تعالى : " يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون “ ( آل عمران : 200 ) .
وإذا كان التصوف وسيلة إلى تحقيق جميع مقامات الدين الثلاثة فلابد من الجهاد المطلق حتى يصدق الإيمان ويعلو فى القلب صرح اليقين بأن الله تعالى : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله ، أولئك هو الصادقون " (الحجرات : 15) . وإذا كان السلف الصالح دفعت بهم ظروف ومفاهيم سامية الى فهم الزهد بأنه تحرير للإرادة حتى تتعادل عندهم قيم الأشياء المادية فيتساوى عند أحدهم الذهب والتراب والفضة والحجر والغنى والفقير ويتساوى عنده العز والذل والظهور والخمول والمدح والذم والرافعة وضدها ، بحكم الاستغناء بالله والاكتفاء به عما سواءه ، فإن مفهوماً آخر إلى جانب ذلك يجب أن يأخذ مجراه وهو التحرر من الانبهار والتعلق بكل ما هو غربى والعمل من أجل كبح جماع النفوس الشهوانية التى جعلت من أمتنا مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج أجنبى وتزهد كل الزهد فى مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج وتزهد كل الزهد فى كل منتج محلى أو إسلامى. إذن فلابد من مقاومة سياسة إسالة اللعاب التى يمارسها الغرب من أجل المحافظة على النزعة الاستهلاكية فى أفراد أمتنا وجماعاتنا بل مجتمعاتنا. فالزهد يجب أن يكون رفضاً لكل باطل أو معوق يمنع من تحقيق أهداف الأمة. والسادة الصوفية بما لهم من خبرات متوارثة فى مجال التربية الشاملة على القيم الاسلامية السامية وبما لهم من اختلاط بطبقات الشعوب فى القاعدة العريضة يستطيعون أن يرتفعوا بأمتنا من كونها مجرد أمة مستهلكة لما ينتجه الآخرون إلى مستوى العمل الجاد والإنتاج مما يحقق لها الاكتفاء الذاتى وأن يبعثوا فيهم روح العزة والكرامة والثقة بالنفس. وقد يستغرب بعض الناس من هذا الموقف الذى هو تجاوب مع الخط السياسى المتشدد ولكننى أطمئن هؤلاء وأقول لهم إن هذا هو الإسلام وهذه هى سياسته ولنستمع جميعاً إلى القرآن وهو يدعو الى الزهد فيما غرق فيه الجاهليون من زخرف ومتاع هو زهرة الحياة الدنيا ، يقول الحق تعالى:"ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً ، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى"(طه : 131 – 132).
ويقول الحق أيضاً : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " (الكهف : 28)
وإننا إذ ندعو أهل الطرق الصوفية إلى تعبئة الأغلبية الساحقة من المسلمين والمتمسكين بمناهج التزكية الربانية والخروج من العزلة الى المواجهة نطالب الجميع بتكريس كل الجهود من أجل تطويق كل أنواع المؤامرات ضد الإسلام عموماً وضد التصوف الإسلامى على وجه الخصوص. صحيح أن التصوف ليس فى حاجة الى العودة الى أساليب بعض متصوفة القرون الوسطى من الإغراق فى المعميات واستحلاء ترديد الكلمات الجوفاء التى لا تحمل وراءها إلا جهلاً وضلالاً أو الجنوح الى بعض مصطلحات الفلسفة المثالثة.
ولكننا يجب أن نستفيد من قوة التراث الروحى الصوفى الثقافى ونحوله إلى مبادئ واضحة للأذهان ومناهج موضوعية تصلح زاداً لا ينصب معينة ولا ينقطع مدده حتى نزيل تهمة الانعزالية والسلبية والانطواء على النفس والتقوقع والدروشة من التصوف الأصيل بتحويل قدراتنا ومقوماتنا الروحية وقيمنا الربانية إلى سلاح تواجه به أمتنا الغزو الفكرى الصليبى الذى بدأ يدق طبول الحرب ضد الإسلام ودوله وأقطاره والذى قد بدأ بحرب استنزافية تهدف الى اختراق الشعوب الإسلامية وتشكيكيها فى نفسها وفى قدراتها على الصمود والتصدى وعلى الجهاد والمرابطة .. فبدأ بمحاصرة الإسلام متمثلاً فى سياسة الحصار والتجويع التى فرضها على العراق وليبيا والبوسنة المعتدى عليها والتهديد بفرض هذا الحصار الظالم على بلدان إسلامية أخرى .. إلى غير ذلك من صور الاعتداءات.
والتصوف الإسلامى بتنبيه لهذه المواقف يدعو الى العمل فى مجال الدعوى الاسلامية بالتحلى بالحكمة والتزام الموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ، ويدعو الى وحدة العمل الإسلامى ورفض كل أنواع الغلو التعصب والتطرف الدينى تمسكاً بروح التسامح الإسلامى ، ليس مع المسلمين فحسب ، وإنما مع جميع المنصفين من أتباع الديانات السماوية الأخرى ، كما أننا نرى أن ارتباط برامج الدعوة بمناهج التربية فى الدول الاسلامية ضرورى فى هذه المرحلة.
فيجب استلهام قيم ومبادئ التصوف الإسلامى فى مناهج التربية والتعليم فى جميع الأقطار الإسلامية حتى ينشأ جيل مشبع بروح التدين والالتزام ، جيل يملأ الفراغ فى كل المجالات ثقافياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً حتى تحدث تغييراً إيجابياً فى مراكزنا ومعاهدنا على مستوى الحكومات أو الأهالى وبذلك تتحول زوايانا إلى مراكز إشعاع تعمق روح الاعتزاز بالعقيدة والتسلح بالإيمان ومقتضيات اليقين والتقوى. وبذلك يمكننا أن نواصل الدور الذى امتاز به جهاد الصوفية على مدى تاريخ أمتنا ونضالها الطويل .. ابتداء من عدوان المستهزئين فى مكة إلى تخذيل المنافقين ومكائد اليهود فى المدينة وتلبيسات الزنادقة والملاحدة فى العهدين الأموى والعباسى وانتهاء بدسائس المشتشرقين التى كان من نتائجها الحروب الصليبية والغز التنصيرى والسطو الاستعمارى على بلاد الاسلام.
فمنذ القرن الثانى الهجرى رفع السادة الصوفية راية الثورة ضد الباطل وأهله فى كل مكان حتى نشروا الإسلام ونجحوا فى نشر اللغة العربية لغة القرآن وفى غرس الفضيلة فى نفوس الشعوب التى هداها الله إلى الإسلام بجهزدهم وجهادهم ورباطهم الذى تحطمت عليه كافة المغريات والمكائد من أعداء الإسلام أعداء الحق والعدالة أعداء الإنسانية. والآن يجب أن نشير إلى خطوات البداية فى رحلة الجهاد الصوفى واضعين أمامنا هدى نور قوله تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (العنكبوت : 69 ).
التصوف
إن التصوف ينقسم الى قسمين :
نظرى يبحث فى حقائق المعارف وشئون الحق فى تجلياته بأسمائه ، ولقد قال تعالى: " كل يوم هو فى شأن " (الرحمن : 29).
وعملى هو يشمل الاهتمام بالأعمال التزاماً وأدباً وتصفية حتى تخلص من جميع الشوائب وتصلح للقبول ورعاية الأحول والأخلاق النفسية حتى تطهر وتزكو ويرتقى بها العبد إلى مقامات القرب والوصول.
والأصل فى ذلك كله قوله تعالى : " وأن أقم للدين حنيفاً ولا تكونن مع المشركين " (يونس :105) وقال : " فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكنوا مع المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون " (الررم : 30 – 32 ) وقال : " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا " (هود : 112) وقال تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة " (البينة : 5).
ومن هنا قال العارفون إن التصوف العملى ليس إلا تصفية الأعمال حتى تخلص وتصلح وتصفية الأحوال الباطنية حتى تزكو وترفع السالك الى مقامات القرب والوصول وعند ذلك يستقر فى القبل نور يهدى الوافق الى العمل الصالح وتعظيم شعائر الله والتقديد بأحكام الشريعة لا يحيلا ولا تسترا بل إيماناً خالصاً.
وبذلك يرجع معنى التصوف إجمالا الى معنى التزكية التى جاءت مكررة فى القرآن الكريم فى أكثر من صورة مما يجعل من السهل على الصادق اكتشاف أن التصوف برمته موجود فى القرآن الكريم من حيث المضمون . ذلك لأن الله تعالى فى جميع أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته الربانية بالأمر والنهى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب لا يريد إلا تطهير جوهر النفس الإنسانية وإعادتها إلى مقام صفائها الأصلى حتى تكون محلاً صالحاً للإكرام والإنعام والرضا والتقريب ، قال تعالى : " ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خام من دساها " (الشمس : 7 – 10) وقال : " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " (البقرة : 15) وقال تعالى: " ربنا وابعث فيهم رسلا منهم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " (البقرة : 151 ) وقال تعالى : " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، انك أنت العزيز الحكيم " (البقرة : 129 ) وقال أيضاً : " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين " (آل عمران : 164 ) ويقول أيضاً : " هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين " (الجمعة : ) وفى الصحيح " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . وليس تكرار كلمة التزكية فى القرآن فى هذه الآيات من السور المختلفة لمجرد الصدفة بل إنها تشير الى مضمون يطلب بالأصالة الاهتمام به ضمن المهام التى كلف الله بها رسوله المصطفى محمداً صالى الله عليه وسلم . ولقد ظهر أثر هذه التزكية على سلفنا الصالح فى السلوك والمظهر فنجحوا فى جميع أعمالهم. ولقد فقدنا نحن هذا المعنى فصارت أحوالنا إلى ما لا يخفى على كل ذى لب.
هذا ولعظيم الفضل ال
المزيد