مَــــــــقَامَاتٌ عِـــــرْفَــانِيَّـةٌ

مجلـــة رقمية تعنى بشأن الطريقة التجانية.

أتباع الشيخ العارف بالله، القطب الرباني المكتوم , و الخاتم المحمدي المعلوم، سيدي أبي العباس أحمد التيجاني رضي الله عنه. 

المدير المسئول :
الأستاذ : إبراهيم الوراق التجاني

elourak_tijani@hotmail.com


حقيقة الزهد والعلاج النفسي

مايو 3rd, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

حقيقة الزهد والعلاج النفسي

عن الإمام علي (الزهد بين كلمتين من القرآن، قال الله لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه).
ليس من باب التدين إنما إنصافاً على العاقل المفكر أن يذعن ويتواضع أمام عبقرية علي بن أبي طالب وحكمته بل تفاصيل الحياة يخضع مقابل تجليات كلامه الواضح وفصله القاطع عند رسمه المستقبل وإخباره الماضي وإبداعه الحاضر.
وفي كلمته هذه من تحديد الزهد ضمن إطار لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وإن كان قد بينها لإفهام الناس معنى الزهد في هذه الدنيا وذلك بالهدوء وعدم الاهتياج فلا العُسر يبقى ولا اليُسر والمطلوب هو الصبر والشكر على كل حال.
وتنبيه الناس عن الفهم السلبي للزهد بالابتعاد عن نِعَمِ الله تعالى وطيباته وزينته التي أخرج لعباده، كما هم عليه بعض الجاهلين الذين يحاولون إبعاد المسلمين عن أي اهتمام بالأمور المادية الدنيوية مع ما فيها من المفاسد من قبيل فتح المجال لسيطرة الآخرين من أعداء الإسلام على خيرات المسلمين وبركاتهم ومنابعهم المادية الغنية التي قل مثلها في غير بلاد المسلمين، بل وأكثر من ذلك قد يصبح الشخص الغافل هذا إنساناً حيادياً تجاه سيطرة المستكبرين على الحكم أيضاً مادام التقمص بالحكم عندهم يعتبر لوناً من ألوان التمتع بالدنيا وشكلاً من أشكال طلب الجاه والذي لا يناسب الزاهدين مادام الزهد عبارةً عن أن لا يهمك من أكل الدنيا، كما ذكره أحد الأعلام، ونماذج أخرى كالذي يعزف على الزواج باعتباره شاغل عن عبادة الله تعالى وكالذي ترك إعالة أهله والتزم بيته للعبادة وغيرهم ممن أفرط في التزهد وسوء الفهم فصار كما يُقال:

المزيد


التصوف الإسلامي والمصادر الاجنبية

مايو 3rd, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

التصوف الإسلامي والمصادر الاجنبية

ان ما يمتلكه التصوف الإسلامي من بعد مركب ودعوة للحب جعله يُكَوّن أرضية مشتركة بينه وبين بقية الأديان والمعتقدات والفلسفات حتى ظن البعض ان مصدر التصوف أجنبي.
فهناك طائفة من المستشرقين رأوا ان التصوف الإسلامي من مصدر مسيحي أمثال
(
فون كريمرVon Kremer . وجولدز هير Coldeziher . ونيكلسون Niclson واوليري Oleary وغيرهم . ويستند القائلون بهذا الرأي الى حجتين :
الأولى : ما وجد من صلات بين العرب والنصارى في الجاهلية او الإسلام .
الثانية : ما يلاحظ من أوجه الشبه بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة وبين ما يقابل هذا في حياة السيد المسيح وأقواله ، والرهبان وطرقهم في العبادة والملبس (1).
ولكننا نجد ونيكلسون نفسه في كتابه ( تاريخ العرب الأدبي ) يقول : انه لا ضرورة للتحري عن اصل مبادئ الصوفية خارج دائرة الإسلام ويعتبر إن المسيحية على حين انها أثرت في التصوف الا أنها ليست مصدرا له . لان الزهد الذي قام عليه التصوف هو نفسه إسلامي بحت .
والجدير بالذكر ان الصلاة التي أشار إليها أوليري ونيكلسون بين زهاد المسلمين وزهاد المسيحيين ورهبانهم بعد الإسلام . فهي أيضا ليست جديدة حيث يمكن ردها الى مصدر إسلامي .
فقد امتدح القرآن الكريم حال الرهبان والقساوسة وأثنى على مدى تأثرهم بما انزل على الرسول من الحق حيث يقول تعالى : لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون وإذا سمعوا ما أنزل الى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.
ونحن لا ننكر استخدام بعض الصوفيين أصحاب الفلسفة اصطلاحات مسيحية مثل :
(
الكلمة ، اللاهوت ، الناسوت ) . مما ورد عن الحلاج . ولكن هذا لم يظهر الا في وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري ) بعد ان كان زهد المتصوفة وخطهم قد اتخذ مساره في القرن الأول والثاني الهجري وأصبح دعامة وأساس لكل تصوف لاحق .
وهناك من المستشرقين من رأى ان التصوف الإسلامي أصله هندي أمثال هورتن Horten وهارتمان Hartmann(2) وقد ساقوا مجموعة حجج مثل :
1.
إن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية فلما دخل اهلها الاسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة .
2.
ان المسلمين انفسهم يعتقدون بوجود هذا الاثر الهندي .
وهو يستند في هذا الكلام على ما عقده البيروني في كتابه ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة ) علما انها لا تمثل سوى مقارنة بين عقائد الهنود وعقائد صوفية الاسلام من منظار شخصي . كما ان هذا الادعاء قد فنده المستشرق الكبير
(
نيكلسون ) حيث قال : ( ان التشابه بين المذاهب لا يعني بالضرورة أخذ احداهما من الاخر فالوصول الى نتيجتين متشابهتين قد يأتي نتيجة لتطبيق نفس المنهج فهذا ليس بدليل ) .
ومن الجدير بالذكر ان الأثر الهندي لم يذكر عند الصوفية سوى عن طريق الإشارة التي ذكرها ابن سبعين الاندلسي المتوفى سنة ( 669 ) هجرية في رسالته في الذكر والتي تسمى ( الرسالة النورية ) والتي تعرض فيها لبعض من أذكار البراهمة الهنود(3) وكان البعض يقول ان التصوف أصله فارسي والآخر يقول أصله يوناني ومنهم من يقول بوذي الى اخر تلك القائمة ولكن الدراسات التي قدمها باحثين امثال نيكلسون وهي بعنوان :
(
في

المزيد


قصيدة شيخ الشيوخ أبي مدين شعيب وتخميسها للشيخ الأكبر ابن عربي ض

أبريل 26th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

هذه

قصيدة شيخ الشيوخ أبي مدين شعيب

قدس الله سره

وتخميسها

للشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي محمد بن علي الحاتمي الطائي

الأندلسي المولود بمرسية في 27 من رمضان سنة 638

وشرحها

عنوان التوفيق في آداب الطريق

العارف بالله تاج الدين أحمد بن محمد عبد الكريم بن عطاء الله

السكندري قدس الله سره

يَا طالِباً مِن لَذاذاتِ الدُّنَا وَطَرا إذا أردتَّ جميع الخَير فيكَ يُرى

المُستشارُ أمينٌ فاسمَع الخَبرا مالِذَّةُ العَيشِ إلا صُحبة الفُقَرا

هُم السَّلاطِينُ والسَّاداتُ والأمَرا

قومٌ رَضُوا بيَسِيرٍ مِن مَلابسِهم والقُوتِ لا تخطُر الدنيا بهاجِسِهم

صُدورهُم خالِياتٍ مِن وسَاوِسِهم فاصْحِبهُموا وتَأدَّبْ في مَجالِسِهم

وخَلِّ حَظَّكَ مهْمَا قَدَّمُوكَ وَرَا

اسْلُك طريقَهموا إنْ كُنتَ تابِعهُم واتْرُك دعَاويكَ واحْذَرْ أن تراجعهم

فِيما يُريدونه واقصُد منافِعهُم واستغْنِم الوقتَ واحضُر دائماً معهم

واعلم بأنَّ الرِّضا يخْتَصُّ من حَضَرا

كُنْ راضِياً بهِمُوا تَسْمُ بهم وتَصِلْ إن أثبتُوكَ أقِمْ أو إنْ مَحَوكَ فَزُل

وإنْ أجاعوكَ جُعْ و إنْ أطعَمُوك فكُلْ ولازِمِ الصَّمتَ إلا إن سُئِلتَ فقُلْ

لا عِلْمَ عِندي وكنْ بالجَهل مَستتِرا

ولا تكُن لعُيوبِ الناس مُنتقِدا وإن يَكن ظاهِرا بين الوجود بدا

وانظُرْ بعَينِ كَمَالٍ لا تُعِبْ أحَدا ولا تَرَ العَيبَ إلا فيكَ مُعتقِدا

عَيباً بدا بيناً لكنه اسْتترا

تنلْ بذلِكَ ما ترجُوه من أدبٍ والنفسُ ذَلِّلْ لهم ذلاً بلا ريب

بلْ كلُّ ذلك ذُلٌّ نابَ عن أدبٍ وحُطَّ رَأسكَ واستغفِر بلا سبب

وقمْ على قدَمِ الإنصَافِ مُعتذِرا

إن شئتَ منهم بريْقاً للطريق تشمْ عن كلِّ ما يَكرهوهُ مِن فِعالكَ ذُم

والنفسُ منكَ على حُسنِ الفِعالِ أدِم وإنْ بَدا منكَ عَيبٌ فاعترفْ وأقِمْ

وَجْهَ اعتذاركَ عمَّا فيكَ مِنكَ جَرى

لهُم تملقْ وقلْ داوُوُ بصُلحِكُموا بمرْهَمِ العَفوِ مِنكمْ داء جرحِكمُوا

أنا المُسيءُ هِبُوا لي مَحضَ نِصْحِكمُوا وقلْ عُبيدكمُوا أولى بصَفحِكمُوا

فسَامِحُوا وخذوا بالرِّفقِ يا فقرا

لا تخشَ مِنهم إذا أذنَبتَ هِمَّتهُم أسنى وأعظَمُ أن تردِيكَ عِشرَتهُم

ليسوا جَبَابرة تؤذِيكَ سَطوَتهُم هُم بالتفضلِ أولى وهو شِيمَتهُم

فلا تخفْ دَرَكاً مِنهم ولا ضَرَرا

إذا أردتَّ بهم تسْلُكْ طَريقَ هُدى كنْ في الذي يَطلبُوه مِنكَ مُجتهِدا

في نور يومِكَ واحذَرْ أن تقول غداً وبالتغنِّي عَلى الإخوان جُدْ أبدا

حِساً ومَعنىً وغضَّ الطَّرفَ إن عَثرَا

أصدِقهُم الحَق لا تسْتعمِل الدنَسَا لأنهم أهْلُ صِدقٍ سادَةٌ

المزيد


من يحكم: العقل ام النص؟ محمد اقبال التجاني 1

أبريل 26th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

هناك من يرفع شعار (درء تعارض العقل والنقل) وهو شعار صحيح وحقيقي، ولكن لا يحق لأحد أن يرفعه إلا من قدّم العقل على النقل؛ لأن السؤال المنطقي الذي سيوجه إلى قائله: كيف عرفت أن النقل لا يتعارض مع العقل؟!
فماذا يا ترى سيكون جوابه؟!
هناك من يرفض هذه القاعدة (العقل مقدم على النص) معترضاً باعتراضات، أذكرها واحدة بعد واحدة، فمن ذلك:
1.
أن العقول تتفاوت فأي عقل هو المقصود بتقديمه على النص؟
2.
حين تدعو إلى إقامة الإيمان على العقل فإنك تدعو إلى الشك في الدين، والشك في الدين كفر!.
3.
إن في القرآن حججاً عقلية أقامها الله أدلة على المخالفين، وهذا كاف فيجب أن نتقيد به دون أن نلجأ إلى أدلة عقلية من خارج النص.
4.
إن الدعوة إلى إعمال العقل وجعله الدليل الأول، إنما هي دعوة غرضها إيصال الناس إلى الإلحاد شعر الداعون بهذا أم لم يشعروا!.
5.
إن تقديم العقل يقتضي تقديسه، وجعله حكماً على النص.

هذه بعض الاعتراضات التي عرفتها وسنتولى الرد عليها واحدة بعد الأخرى.

1.    - أن العقول تتفاوت فأي عقل هو المقصود بتقديمه على النص؟
والإجابة:
إن العقل المقصود هو العقل النظري المجرّد الذي يعلم أن الجسم لا يكون في مكانين في وقت واحد، وأنه لا تأثير إلا بمؤثر، ولا ترجيح إلا بمرجح، ولا تغيير إلا بمغير، وأن من الحوادث ما لا يظهر إلا معلولاً للآخر (السببية)، وليس يقترن به فقط، وأن التسلسل والدور محالان، وأن الشيء لا يكون نفسه وغيره في الوقت نفسه، وأن المتناقضين لا يرتفعان ولا يجتمعان.
تلك القواعد العقلية (المجردة) التي ينطلق العقل منها في استدلالاته، هي ما يتفق عليه جميع عقلاء بني الإنسان، ولا يتفاوتون في تقديرهم لها، فحتى الجاحدون منهم، فإنهم يعيشون بيننا ويتصرفون كما نتصرف، ويبكون في مواطن البكاء، ويضحكون في أماكن الضحك، ويذهبون إلى الطبيب حين يمرضون،! ويغسلون ثيابهم حين تصيبها الأوساخ،! ولا يشكون في شيء من ذلك!.
هذا العقل الذي ينطلق في كل استدلالاته (على الإطلاق) من قواعد يتفق عليها مع جميع عقلاء بني الإنسان، ويبني كل استدلاله على معطيات عقلية مسلمة تعد الأرضية التي تبنى عليها جميع الاستدلالات، هو العقل المرجح الفاصل، وحتى حين تختلف العقول في أمر ما، أوحين تتفاوت، فإن هذا ليس بضار ولا بناقض لتقديم العقل، بل النقاش حينئذ لن يكون إلا بالعقل نفسه وبقواعده التي تفاهم البشر على أساسها، فالنتيجة أن اختلاف العقول لا يلغي العقل حال كونه دليلاً مستقلاً، أوحال كونه دليلاً أوليا مقدّماً تقام به الحجة على المخالفين.
ولكن هناك من سيعترض على ذلك بقوله إذا كان العقل مقدما على النقل فلماذا لا نكتفي بالعقل ونترك النقل؟ أي ما فائدة النقل في هذه الحالة؟

نجيب على هذا الاستشكال بقولنا: إن العقل هو الدليل إلى المعرفة ولكنه ليس الدليل الوحيد، فالعقل هو الدليل الأول الذي به عرفنا الدليل الثاني الذي هو النقل (النص القرآني) والعقل المجرد قد لا يتوصل إلى معرفة وجود عوالم خفية مثل الملائكة والجن وإن كان وجود هذا الخلق الخفي لا ينافي القواعد العقلية،! فإذا جاء النص النقلي مثلا بوجود أمثال هذه الكائنات فهذا لا يعارض العقل، وإن كان القول بوجودها لم يثبت بالدليل العقلي ولكن بالدليل النصي الذي لا يخالف الدليل العقلي.

حين تدعو إلى إقامة الإيمان على العقل، فإنك تدعو إلى الشك في الدين، والشك في الدين كفر!.
الإجابة:
هناك فرق بين الشك (المنهجي) الذي الغرض منه الوصول إلى الحقيقة، والشك (العبثي) الذي غرضه مجرد التشكيك في الدين فقط.
الشك المنهجي لا يخلو من أمرين:
أ‌. إما أن يعرف الناظر ـ مهما يكن دينه ـ أنه على باطل فيتجه إلى الدين الصحيح.
ب‌. وإما أن يستيقن بما عنده من الحق ويتمسك به على علم واستدلال لا على تقليد وتبعية.
وهذا الشك حين يكون منهجيا لا يسمى ناقضا للإيمان الذي تربى عليه الناظر، بل سيرافقه على افتراض أنه على حق، فإما أن

المزيد


التصوف وفلسفة الحياة

فبراير 7th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

التصوف وفلسفة الحياة

أ.د أحمد محمود إسماعيل الجزار
أستاذ الفلسفة الإسلامية وعميد كلية الآداب ـ جامعة المنيا

قد لا يكون في القول مبالغة حين نقرر أن الصوف يمثل أعلى درجات الارتقاء الروحي الذي يبلغ بصاحبه أعلى درجات الاتصال بالله، ومن ثم معرفته بضرب من البصيرة أو الإشراق الذي يغمر الروح ، حينئذ يشعر الإنسان باسمي لحظات النشوة والغبطة الروحية ، ولربما لهذا السبب بتحدث أصحابه أحيانا بلسان الحال أو الجذبة فيعبرون عن أحوالهم الباطنية ومواجيدهم العرفانية الفائقة فى الحال الفناء أو الاتحاد بعبارات يصعب فهمها على من يكن منهم .
وقد لا يكون غريباً منا أيضاً فى هذا السياق أن نؤكد على إن مثل هذا الارتقاء الروحي لا يختص به دين سماوي دون غيره، بل أن بعض الديانات غير السماوية يتحدث أتباعها عن مثل هذا الاتصال بمعبودهم رغد بعد الشقة بطبيعة الحال بين ما هو سماوي وبين ما هو غير سماوي.
بيد أن هذا الارتقاء الروحي يمثل خصوصية للبعض دون الكل في كل دين من الأديان ، مع انه فى الوقت ذاته حق متاح لكل أتباع هذا الدين ولا يعنى هذا مفارقة في المعني بل يعنى وقبل كل شيء حقيقة مهمة مؤداها أن التصرف يمثل تجربة خاصة وليست شيئاً مشتركاً بين كل الناس جميعاً وأن لكل صوفي طريقة معينة في التعبير عن حالاته لأنه يمثل خبرته الذاتية أو الباطنية0
إن الذاتية التي نصف بها التصوف بوصفه تجربة هى التي تعطي وصفاً دقيقاً وفريداً لهذا الارتقاء الروحي الذي يمثل الكمال الروحي للإنسان . ومن هذه الحيثية فالدين فى جوهرة أمر شخصي كما يقول بعض فلاسفة الدين ، بل إن هناك صوراً من التجارب الدينية وتتنوع كما عرض لها وليم جيمس وهنري برجسون وثولك وغيرهم ، وكل هذا يرتد إلى قدرات كل شخص ومواهبه ، ومن الطريف أن بعضاً من الفلاسفة المعاصرين قد جعل هذا التفرد ضرباً من ضروب العبقرية ، وهي بلا شك عندهم هي العبقرية الدينية .
ومن المهم أن نؤكد على أن تعدد هذه التجارب الدينية يقدم رصيداً هائلاً فى مجال المعرفة الدينية . ففي كل هذه التجارب الروحية من الرؤيات المختلفة للألوهية على حد تعبير برجسون فى مواجهة الفلسفة بوصفها نسقاً عقلياً .
ولا يعنى هذا قدحاً فى قيمة العقل في ميدان الألوهية إذا ما وجد مثل هذه الرؤيات لدي كبار الصوفية المسلمين أو المسيحيين وغيرهم كما لا يعني هذا أيضا رجماً لنظريات الفلاسفة فى هذا الشأن ، وإنما يعني هذا توكيد حقيقة الدين بوصفه تجربة حية فيما يري محمد إقبال نرمي إلى اتصال الإنسان بالله وبشكل أقرب وأوثق مما تقدمة الفلسفة في هذا الشأن .
وفضلاً عن هذا كله فالإنسان حين ينشد قبل هذه المعرفة الدينية على هذا النحو الذي تنكشف فيه الألوهية من خلال التجربة الصوفية فلأنه يوقن كما يقول الفيلسوف الوجودي المعاصر نيقولاي برديايف أن العلو والامتلاء والغاية لا تكون جميعاً إلا بالله .
فالتصوف إذن يمثل خبرة باطنية بين الإنسان والله وهذه الخبرة الباطنية لا يمكن بالتالي الوقوف على دقائقها أو على لطائفها على حد قول الصوفية المسلمين وهو كذلك عند غيرهم من كبار الروحانيين .
إن علة الأمر تكمن فى تعلق هذه الخبرة بالحياة الباطنية بأكثر من تعلقها بالمظهر الخارجي للإنسان . ولها السبب كانت الادراكات الصوفية مصحوبة بحالة وجدانية يصعب التعبير عنها بالألفاظ العادية فضلاً عن صعوبة إخضاعها للملاحظة الخارجية .
وهذا صحيح ذلك لأن التجربة الصوفية بوصفها تجربة باطنية أو وجدانية يصعب وصفها لمن لم يسلكها لهذا قال بعض صوفية الإسلام من ذاق عرف ومن ثم كان ابن خلدون ألمعياً في ملاحظة لهذه التجربة من هذا الجهة فأكد على أن فاقد الوجدان بمعزل عن أذواقهم ومن الطريف أن فيلسوفاً معاصرا هو هنري برجسون ( 1949 ) يؤكد كذلك على أن من لم يعلن شيئاً منها فلا تقل له شيئاً .
ومن هذا الوجه يغدو التصرف فى رأينا تجربة باطنية شعورية لا تنفك بدورها عن العرفان لأصحابها ، ذلك لأن كل مدارج الطريقة التي تمثل درجات لأصحابه على اختلاف ما بينهم تكاد تتشابه ، وإذا كان صوفية الإسلام يملكون محطات ثلاثاً هي التخلي والتحلي والتجلي . فإن الأولي تمثل أخصب و أصعب محطة فى مدارج الطريق الروحي. ومع ذلك فإن الأمر لا يختلف كثيراً عن بقية ضروب التصوف ذلك لأن التخلي يمثل الصوفية فى مختلف الديانات رغم ما قد يكون بينها من فروق طفيفة تمثل جانب التفرد لعالمه الروحي الخاص بوصفة ضرباً من الاتصال الروحي بالألوهية . وإذا كانت بعض صوفية الإسلام يعبرون أحياناً أو بالأخرى بعبارات الاتحاد والحلول فإننا نجد شيئاً من هذا لدي غيرهم ولكن لا يمثل شيئاً لازماً للصوفية الإسلامية .
لكن الذي نود التأكيد عليه أن هذه الحالات أو الأحوال النفسانية تختلف باختلاف المتصوفة ومن ذلك فإنها تتشابه أكبر التشابه ، ولو فرضنا أن المحطات مختلفة وكذلك نقطة البدء ، فإنها واحدة ، فنراهم يصفونها بعبارات واحدة وصورة واحدة واستعارات مختلفة ، رغم أنهم لم يعرف بعضهم بعض فى معظم الأحيان ولكن لكل منهم أصالته !!
قلنا إذن أن التصوف يمثل الارتقاء الروحي فى كل دين مع التسليم بالقطع بين ما هو سماوي وما هو غير سماوي، والتأكيد على مثل هذه الناحية لازم، ومهم لأنه يكشف عن حقيقة التيار الروحي في كل دين بوصفة أي الدين هو الجانب المثالي فى الحياة الإنسانية على نحو ما يؤكد بعض فلاسفة الدين ومن حيث إن الصوفي الكبير هو كذلك الإنسان الذي يتخطى الحدود التي رسمت للنوع الإنساني، وأن يحاول جاهداً الاتصال أو التواجد مع الله المبدع الخالق للحياة بأسرها.
إن كل هذه المضامين الصوفية نجدها فى كل حضارة وفي كل أمة وفي كل دين لذلك نلتقي بها لدي أفلوطين ونراها عند البوذيين وعند الهنود ونراها كذلك في اليهودية والمسيحية والإسلام وهى حطي يومنا عند كل هؤلاء ولدي المعاصرين فى الشرق والغرق ومع ذلك تبقي لكل هذه التجارب الروحية خصوصيتها وتفردها.
فالصوفية من حيث هي تركيز للروح الإنساني وجهد فائق وشاق للكيان الإنساني بكليته نراها عند كبار الصوفية المسيحيين على نحو ما نجدها عند القديسة الصليب تريزا والقديسة كاترين والقديس فرانسوا والقديسة جان دارك والقديس يوحنا وغيرهم . ونراها كذلك فى الإسلام عند البسطامي والحلاج والنفري والجيلاني وابن عربي وابن سبعين وجلال الدين الرومي ونجم الدين كبري والجيلي وغيرهم ولكن أمر الصوفية الإسلامية أو الروحانية الإسلامية بحاجة إلى تفصيل .
ولنقرر بداية أن الدين إذا نظر إليه فى حقيقته يتضمن أمرين

المزيد

التصوف الإسلامي ودوره فى حماية مقومات بناء الأمة الإسلامية

فبراير 7th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

التصوف الإسلامي ودوره فى حماية مقومات بناء الأمة الإسلامية

الشيخ / إبراهيم صالح

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله الملك الحق المبين والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه السادة المجاهدين .. وبعد

فإن التصوف مبدأ إيجابى فى بناء شخصية المؤمن. وكان هذا المبدأ بأبعاده التاريخية – جهاداً ومجاهدة ورباطاً ومرابطة وصبراً وتضحية – غائباً لمدة طويلة من حياة الناس فأصبح من الضرورى التذكير به فى جميع الاتجاهات والرجوع إليه لما له من أهمية فى اعادة بناء المجتمع الإيمانى القوى القادر على مواجهة التحديات والصمود والقادر على صنع قراره بنفسه وتحرير إرادته من التبعية والتقليد الأعمى للأعداء.

كانت المبادرة الكريمة من الأخ القائد العقيد / معمر القذافى بإصدار التوجيهات الى الأخ أمين الهيئة العامة للأوقاف بالجماهيرية الليبية بتلبية رغبات العديد من السادة أتباع الطرق الصوفية وشيوخها وأئمتها من شتى بلدان العالم لعقد ملتقى عالمى يضم جميع قادة الفكر الصوفى وأئمة الطرق فى طرابلس بالجماهيرية الليبية ، لها أثر طيب وموقع عظيم فى نفوس السادة الصوفية. ولقد تم ذلك بحمد الله على مرحلتين :

(الأولى ) حين حضر جمهور من الأخوة قادة الطرق الصوفية جلسة تحضيرية دامت يومين كاملين فى مدينة طرابلس تدارسوا فيها أهمية التصوف الإسلامى والطرق الصوفية وما يمكن أن يحققه التصوف الاسلامى للأمة الاسلامية فى ظروفها الراهنة.

(الثانية) حين عقد ملتقى التصوف الإسلامى العالمى تنفيذاً لهذه الفكرة فى السادس عشر من سبتمبر الفاتح عام 1995 بطرابلس. ولقد بحث الحضور التصوف من كل الجوانب ونظروا فى امكانية حشد جميع القوى من أجل التصدى للهجمة الشرسة من قبل الصليبية الحاقدة على الإسلام وأدركوا أن الحل لا يأتى بالإستسلام ولكن بالصمود والتصودى والرباط والجهاد وبعمارة الظاهر بصالح العمل والباطن وبالورع والزهد والتقوى مما يقوى الإرادة ويححرها من التبعية والجرى وراء المتع والملذات والركون الى الرعونات والراحات والانسياق وراء النزعة الاستهلاكية لمنتجات أعداء الإسلام.

ولقد تأكد لديهم أن إهمال هذا الجانب من تراثنا الإسلامى الأصيل كان واحداً من أكثر العوامل التى أثرت سلباً كما ترى فى تقاعس أمتنا عن الجهاد والترابط والصبر والمصابرة وجعلت الأمة جسداً هامداً بلا روح لفقدانها القيم الروحية التى ينادى بها التصوف الإسلامى كالزهد والورع والتقوى. ومعلوم أن طرق التصوف يقوم على أساس البيعة فيها على التقوى والأعمال الإسلامية التى من أبرزها رفض الباطل والهيمنة الأجنبية أيا كان نوعها أو مصدرها من النفس أو الشيطان أو الهوى أو الكفار.

إن الزهد الذى يتحدث عنه العديد من الأخوة الذين شاركوا فى هذا الملتقى العظيم يعنى ضمن ما يعنى خروج محبة كل عائق عن تحقيق الأهداف من القلب وإلقاء كل ما يثبط العزيمة أو يشوش الفكرة وراء الظهر. وأعلى ما فى الزهد هو الرضا بالله والاكتفاء به ونبذ كا ما يشغل عنه أو ينحرف بالإنسان عما كُلف به أو يحبس أو يقطع عن الحضور مع الله أو يحجب عن مشاهدة حضرته.

وأدنى ما فيه هو العزوف عن دار الغرور بالتمسك بعقد البيع الواقع بين العبد وربه ” ان الله اشتى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، وعداً عليه حقاً فى التوراة والأنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ، فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم " (التوبة : 111 )  ولا يتم مطلقاً الذهد فى المال والنفس إلا بالصدق فى المحافظة على هذا العقد بالصبر والمصابرة والرباط الدائم ، قال تعالى : " يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون “             ( آل عمران : 200 ) .

وإذا كان التصوف وسيلة إلى تحقيق جميع مقامات الدين الثلاثة فلابد من الجهاد المطلق حتى يصدق الإيمان ويعلو فى القلب صرح اليقين بأن الله تعالى : " إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله ، أولئك هو الصادقون " (الحجرات : 15) . وإذا كان السلف الصالح دفعت بهم ظروف ومفاهيم سامية الى فهم الزهد بأنه تحرير للإرادة حتى تتعادل عندهم قيم الأشياء المادية فيتساوى عند أحدهم الذهب والتراب والفضة والحجر والغنى والفقير ويتساوى عنده العز والذل والظهور والخمول والمدح والذم والرافعة وضدها ، بحكم الاستغناء بالله والاكتفاء به عما سواءه ، فإن مفهوماً آخر إلى جانب ذلك يجب أن يأخذ مجراه وهو التحرر من الانبهار والتعلق بكل ما هو غربى والعمل من أجل كبح جماع النفوس الشهوانية التى جعلت من أمتنا مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج أجنبى وتزهد كل الزهد فى مجتمعات استهلاكية يسيل لعابها لكل منتج وتزهد كل الزهد فى كل منتج محلى أو إسلامى. إذن فلابد من مقاومة سياسة إسالة اللعاب التى يمارسها الغرب من أجل المحافظة على النزعة الاستهلاكية فى أفراد أمتنا وجماعاتنا بل مجتمعاتنا. فالزهد يجب أن يكون رفضاً لكل باطل أو معوق يمنع من تحقيق أهداف الأمة. والسادة الصوفية بما لهم من خبرات متوارثة فى مجال التربية الشاملة على القيم الاسلامية السامية وبما لهم من اختلاط بطبقات الشعوب فى القاعدة العريضة يستطيعون أن يرتفعوا بأمتنا من كونها مجرد أمة مستهلكة لما ينتجه الآخرون إلى مستوى العمل الجاد والإنتاج مما يحقق لها الاكتفاء الذاتى وأن يبعثوا فيهم روح العزة والكرامة والثقة بالنفس. وقد يستغرب بعض الناس من هذا الموقف الذى هو تجاوب مع الخط السياسى المتشدد ولكننى أطمئن هؤلاء وأقول لهم إن هذا هو الإسلام وهذه هى سياسته ولنستمع جميعاً إلى القرآن وهو يدعو الى الزهد فيما غرق فيه الجاهليون من زخرف ومتاع هو زهرة الحياة الدنيا ، يقول الحق تعالى:"ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ، ورزق ربك خير وأبقى. وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً ، نحن نرزقك والعاقبة للتقوى"(طه : 131 – 132).

ويقول الحق أيضاً : واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا " (الكهف : 28)

وإننا إذ ندعو أهل الطرق الصوفية إلى تعبئة الأغلبية الساحقة من المسلمين والمتمسكين بمناهج التزكية الربانية والخروج من العزلة الى المواجهة نطالب الجميع بتكريس كل الجهود من أجل تطويق كل أنواع المؤامرات ضد الإسلام عموماً وضد التصوف الإسلامى على وجه الخصوص. صحيح أن التصوف ليس فى حاجة الى العودة الى أساليب بعض متصوفة القرون الوسطى من الإغراق فى المعميات واستحلاء ترديد الكلمات الجوفاء التى لا تحمل وراءها إلا جهلاً وضلالاً أو الجنوح الى بعض مصطلحات الفلسفة المثالثة.

ولكننا يجب أن نستفيد من قوة التراث الروحى الصوفى الثقافى ونحوله إلى مبادئ واضحة للأذهان ومناهج موضوعية تصلح زاداً لا ينصب معينة ولا ينقطع مدده حتى نزيل تهمة الانعزالية والسلبية والانطواء على النفس والتقوقع والدروشة من التصوف الأصيل بتحويل قدراتنا ومقوماتنا الروحية وقيمنا الربانية إلى سلاح تواجه به أمتنا الغزو الفكرى الصليبى الذى بدأ يدق طبول الحرب ضد الإسلام ودوله وأقطاره والذى قد بدأ بحرب استنزافية تهدف الى اختراق الشعوب الإسلامية وتشكيكيها فى نفسها وفى قدراتها على الصمود والتصدى وعلى الجهاد والمرابطة .. فبدأ بمحاصرة الإسلام متمثلاً فى سياسة الحصار والتجويع التى فرضها على العراق وليبيا والبوسنة المعتدى عليها والتهديد بفرض هذا الحصار الظالم على بلدان إسلامية أخرى .. إلى غير ذلك من صور الاعتداءات.

والتصوف الإسلامى بتنبيه لهذه المواقف يدعو الى العمل فى مجال الدعوى الاسلامية بالتحلى بالحكمة والتزام الموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن ، ويدعو الى وحدة العمل الإسلامى ورفض كل أنواع الغلو التعصب والتطرف الدينى تمسكاً بروح التسامح الإسلامى ، ليس مع المسلمين فحسب ، وإنما مع جميع المنصفين من أتباع الديانات السماوية الأخرى ، كما أننا نرى أن ارتباط برامج الدعوة بمناهج التربية فى الدول الاسلامية ضرورى فى هذه المرحلة.

فيجب استلهام قيم ومبادئ التصوف الإسلامى فى مناهج التربية والتعليم فى جميع الأقطار الإسلامية حتى ينشأ جيل مشبع بروح التدين والالتزام ، جيل يملأ الفراغ فى كل المجالات ثقافياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً حتى تحدث تغييراً إيجابياً فى مراكزنا ومعاهدنا على مستوى الحكومات أو الأهالى وبذلك تتحول زوايانا إلى مراكز إشعاع تعمق روح الاعتزاز بالعقيدة والتسلح بالإيمان ومقتضيات اليقين والتقوى. وبذلك يمكننا أن نواصل الدور الذى امتاز به جهاد الصوفية على مدى تاريخ أمتنا ونضالها الطويل .. ابتداء من عدوان المستهزئين فى مكة إلى تخذيل المنافقين ومكائد اليهود فى المدينة وتلبيسات الزنادقة والملاحدة فى العهدين الأموى والعباسى وانتهاء بدسائس المشتشرقين التى كان من نتائجها الحروب الصليبية والغز التنصيرى والسطو الاستعمارى على بلاد الاسلام.

فمنذ القرن الثانى الهجرى رفع السادة الصوفية راية الثورة ضد الباطل وأهله فى كل مكان حتى نشروا الإسلام ونجحوا فى نشر اللغة العربية لغة القرآن وفى غرس الفضيلة فى نفوس الشعوب التى هداها الله إلى الإسلام بجهزدهم وجهادهم ورباطهم الذى تحطمت عليه كافة المغريات والمكائد من أعداء الإسلام أعداء الحق والعدالة أعداء الإنسانية. والآن يجب أن نشير إلى خطوات البداية فى رحلة الجهاد الصوفى واضعين أمامنا هدى نور قوله تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " (العنكبوت : 69 ). 

التصوف

إن التصوف ينقسم الى قسمين :

نظرى يبحث فى حقائق المعارف وشئون الحق فى تجلياته بأسمائه ، ولقد قال تعالى: " كل يوم هو فى شأن " (الرحمن : 29).

وعملى هو يشمل الاهتمام بالأعمال التزاماً وأدباً وتصفية حتى تخلص من جميع الشوائب وتصلح للقبول ورعاية الأحول والأخلاق النفسية حتى تطهر وتزكو ويرتقى بها العبد إلى مقامات القرب والوصول.

والأصل فى ذلك كله قوله تعالى : " وأن أقم للدين حنيفاً ولا تكونن مع المشركين " (يونس :105) وقال : " فأقم وجهك للدين حنيفاً ، فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون . منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكنوا مع المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون " (الررم : 30 – 32  ) وقال : " فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا " (هود : 112) وقال تعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وذلك دين القيمة " (البينة : 5).

ومن هنا قال العارفون إن التصوف العملى ليس إلا تصفية الأعمال حتى تخلص وتصلح وتصفية الأحوال الباطنية حتى تزكو وترفع السالك الى مقامات القرب والوصول وعند ذلك يستقر فى القبل نور يهدى الوافق الى العمل الصالح وتعظيم شعائر الله والتقديد بأحكام الشريعة لا يحيلا ولا تسترا بل إيماناً خالصاً.

وبذلك يرجع معنى التصوف إجمالا الى معنى التزكية التى جاءت مكررة فى القرآن الكريم فى أكثر من صورة مما يجعل من السهل على الصادق اكتشاف أن التصوف برمته موجود فى القرآن الكريم من حيث المضمون . ذلك لأن الله تعالى فى جميع أحكامه وتشريعاته وتوجيهاته الربانية بالأمر والنهى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب لا يريد إلا تطهير جوهر النفس الإنسانية وإعادتها إلى مقام صفائها الأصلى حتى تكون محلاً صالحاً للإكرام والإنعام والرضا والتقريب ، قال تعالى : " ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خام من دساها " (الشمس : 7 – 10) وقال : " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " (البقرة : 15) وقال تعالى: " ربنا وابعث فيهم رسلا منهم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " (البقرة : 151 ) وقال تعالى : " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ، انك أنت العزيز الحكيم " (البقرة : 129 ) وقال أيضاً : " لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين " (آل عمران : 164 ) ويقول أيضاً : " هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين " (الجمعة : ) وفى الصحيح " الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . وليس تكرار كلمة التزكية فى القرآن فى هذه الآيات من السور المختلفة لمجرد الصدفة بل إنها تشير الى مضمون يطلب بالأصالة الاهتمام به ضمن المهام التى كلف الله بها رسوله المصطفى محمداً صالى الله عليه وسلم . ولقد ظهر أثر هذه التزكية على سلفنا الصالح فى السلوك والمظهر فنجحوا فى جميع أعمالهم. ولقد فقدنا نحن هذا المعنى فصارت أحوالنا إلى ما لا يخفى على كل ذى لب.

هذا ولعظيم الفضل ال

المزيد


حجة أهل الطرق في التزامهم لأوراد معينة

يناير 20th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

حجة أهل الطرق في التزامهم لأوراد معينة

 

 

" إلـتزام إدامـــة أعمـال الـبر سـنة ثابـتة"

 

إعلم أن إلتزام الوفاء بعهد الأذكار والأوراد وأعمال البر المأخوذة من الشارع سنة عمل عليها الصحابة رضوان الله عليهم وهي سنة تثبتها السنة المشرفة فهناك الكثير من نوافل الخير وأعمال البر تأمر بإدامة النوافل والقربات فمن ذالك حديث إبن عباس في اختصام الملإ الأعلي عند الإمام أحمد في المسند قال : حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال أتاني ربي عز وجل الليلة في أحسن صورة أحسبه يعني في النوم فقال : يامحمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلي قال قلت لا قال النبي صلي الله عليه وسلم فوضع يده بين كتفي حتي وجدت بردها بين ثديي أو قال نحري فعلمت مافي السموات ومافي الأرض ثم قال يامحمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلي قلت : نعم يختصمون في الكفارات والدرجات قال المكث في المساجد والمشي بالأقدام إلي الجماعات وإبلاغ الوضوء في المكاره ومن فعل ذالك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه وقل يامحمد إذا صليت :" اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني غير مفتون قال والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام 0

    وأخرج الإمام أحمد أيضا قال حدثنا أبو سعيد مولي بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيي بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ  رضي الله عنه قال : إحتبس علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتي كدنا نتراءي قرن الشمس فخرج صلي الله عليه وسلم سريعا فثوب بالصلاة فصلي وتجوز في صلاته قال صلي الله عليه وسلم كما أنتم ثم أقبل إلينا فقال : إني قمت من الليل فصليت ماقدر لي فنعست في صلاتي حتي استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال يامحمد أتدري فيم يختصم الملإ الأعلي قلت: لاأدري يارب أعادها ثلاثة فرأيته وضع كفه بين كتفي حتي وجدت برد أنامله بين صدري فتجلي لي كل شيء وعرفت فقال يامحمد فيم يختصم الملإ الأعلي قلت: في الكفارات قال وماالكفارات قلت: نقل الأقدام إلي الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات قال وما الدرجات قلت : إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام قال سل قلت : اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلي حبك وقال رسول الله صلي الله  عليه وسلم إنها حق فادرسوها وتعلموها " قال ابن كثير في هذا الحديث إنه حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط قال : وهو في السنن من طرق قال وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به وقال حسن صحيح أهـ ج6 ص 74 0

 قلت وفي بعض الروايات عند قوله فيم يختصم الملإ الأعلي قال : في الكفارات ونقل الأقدام إلي الجماعات وإسباغ الوضوء في السبرات وإنتظار الصلاة بعد الصلاة ومن حافظ عليهن عاش بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه والملأ الأعلي هم الملائكة والسبرات جمع سبرة بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة شدة البرد قلت فالمحافظة علي هذه الخصال التي أشار إليها هذا الحديث لاتتم إلا بالمداومة عليها وتأكيد ابن كثير علي ان هذه الرؤية في النوم صحيح إلا أنه لايغير من الحقيقة شيئا لأن رؤية الأنبياء وحي وحق – والحديث من أحاديث الصفات يجب الإيمان بها دون تفسيرها مع تنـزيه الحق تبارك وتعالي عن كل تشبيه وتجسيم وعن الصورة والكف والانامل المحسوسات 0  دامةةأاأأأأاا 

وعن عائشة رضي الله عنها قالت" قال رسول الله صلي الله عليه وسلم أحب الأعمال إلي الله تعالي أدومها وإن قل " رواه البخاري ومسلم 0

وأخرج الإمام أبو القاسم الطبراني في كتاب الدعاء بإسناده عن علي كرم الله وجهه قال قدم علي رسول الله صلي الله عليه وسلم بسبي فقال علي لفاطمة رضي الله عنها إئت أباك فاسأليه خادما نتقي به العمل فأتت أباها حين أمست فقال لها مالك يابنية فقالت لاشيء جئت أسلم عليك واستحيت أن تسأله شيئا فلما رجعت قال لها علي رضي الله عنه : مافعلت قالت لم أسأله واستحيت حتي إذا كانت القابلة قال لها إئت أباك فأسليه خادما نتقي به العمل فخرجت حتي إذا جاءته قال مالك يابنية قالت لاشيء ياأبة جئت أنظر كيف أمسيت واستحيت أن تسأله حتي إذا كانت الليلة الثالثة قال لها علي إمش فخرجا جميعا حتي أتيا رسول الله فقالا شق علينا العمل فأردنا أن تعطينا خادما نتقي به العمل فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم هل أدلكما علي خير لكما من حمر النعم قال علي نعم يارسول الله قال : تكبيرات وتسبيحات وتحميدات مائة حين تريدان  أن تناما فتبيتان علي ألف حسنة ومثله حين تصبحان فتقومان علي ألف حسنة

المزيد


الإرشاد في الإسلام

يناير 16th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

الإرشاد في الإسلام


إن الإرشاد هو هداية الخلق إلى الحق ، يقول تعالى عن حضرة المرشد الأعظم سيدنا محمد
صلى الله تعالى عليه و سلم :وَإِنَّكَ لَتَهْدي إلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ(1) ، أي ترشدهم على ما فيه فلاحهم ونجاحهم في الدنيا والآخرة .
والأصل القرآني في الإرشاد يعود إلى ثاني أو ثالث نص قرآني نزل من سماء الحكمة الإلهية إلى أرض الخلافة الإنسانية ، وذلك في قوله تعالى :
وَأَنْذِرْ عَشيرَتَكَ الْأَقْرَبينَ(2) حيث نزل الإذن بتبليغ الرسالة الإسلامية وكانت بداية الإرشاد والدعوة إلى الله . ثم استمر الإرشاد في طور الدعوة السرية ثلاث سنين وبعدها انطلق الإرشاد العلني من دار الأرقم بن أبي الأرقم إلى العالم أجمع ، ولازال ولن يزول حتى يرث الله الأرض ومن   عليها .

مراتب المرشدين عند ظهور حضرة الرسول الأعظم
يمكن تقسيم مراتب المرشدين في زمن ظهور حضرة الرسول الأعظم  إلى مرتبتين رئيسيتين :

أولاً : مرتبة المرشد الأعظم
المرشد الأعظم : هو من يكون مأذوناً من الله تعالى بالدعوة ، يقول تعالى :
وَداعِياً إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً(3) ، وحقيقة هذا الإذن هي مد الله تعالى للمرشد بالقوة الروحية التي تعينه في مهمة الإرشاد ، والآية الكريمة تشير إلى ذلك ، فالمرشد المأذون ليس داعياً إلى الله فقط ، وإنما هو في نفسه سراجاً منيراً ، أي : ممداً لمن يرشده بالهمة والقوة الروحية التي تنور لبصيرته الطريق وتدفعه للسير فيه وتعينه على الاستمرار فيه والثبات عليه .. وكان هذا المرشد هو حضرة الرسول الأعظمصلى الله تعالى عليه و سلم  .
وبهذه القوة الروحية استطاع حضرته
صلى الله تعالى عليه و سلمأن يحول قلوب رجال كانت أقسى من الصخر الصوان إلى أرق من الحرير الناعم ..
إن مرتبة الإرشاد العظمى هي مرتبة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل زمن ، وهذه المرتبة قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى :
ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْــمَوْعِظَةِ الْحَــسَنَةِ(4) ، فكان حضرة الرسول الأعظمصلى الله تعالى عليه و سلمهو المرشد الأعظم للناس في زمن ظهوره ، وكان يرشدهم بما يناسب كلٌ منهم بالحكمة والموعظة الحسنة ..

ولكن ما هي الحكمة ؟
إنها القوة الروحية التي نزلت مع حضرته  والتي تمثلت بالمعجزات المحمدية والإفاضات النورانية التي كانت تطهر القلب وتزكي النفس فتنقل الإنسان من عالم إلى عالم في اقل من طرف العين ..
ولقد امتلأ التأريخ الإسلامي بأخبار الذين أخذوا طريق الحق وآمنوا بالله ورسوله  بعد رؤية أحد الخوارق الكثيرة بين يديه الكريمتين  .
كما وحفل بأخبار الذين تطهرت دواخلهم وصفت قلوبهم وزكت نفوسهم على أثر لمسة من حضرته  أو نظرة أو مكاشفة على ما في السر أو دعوة أو غيرها من خواصه الروحية  . لقد كان  مرشداً روحياً وليس مبلغاً بلسانه فقط ، وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى :
هُوَ الَّذي بَعَثَ في الْأُمِّيّينَ رَسولاً مِنْهُمْ يَتْلو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ(5)  .
وأما الإرشاد بالموعظة الحسنة فلم تعهد ولن تعهد الدنيا من دعا بقوة الكلمة وأثر في قلوب سامعيه بواسطتها كما فعل حضرة الرسول الأعظم
صلى الله تعالى عليه و سلم، فكان من ثمارها الإفاضات الضخمة التي تجلت في السنة النبوية المطهرة .
لقد أشارت الآية الكريمة على أن الداعي إلى الله بإذنه هو من يملك القوة الروحيه ، ولهذا نصت على ضرورة الدعوة بها مقرونة بالموعظة ، فلم يقل الحق تعالى : ادع بالحكمة أو الموعظة بل قال :
بالحكمة والموعظةأي بهما معاً . وهذه ميزة خاصة في الإرشاد ما ينالها إلا قليل .

ثانياً : مرتبة المرشد العادي
لقد كان حضرة الرسول الأعظم
صلى الله تعالى عليه و سلم يأمر المسلمين الأوائل من الصحابة الكرام بالإرشاد ، ليبلغوا رسالته  إلى الناس ، وكان يختص بعضهم ببعض المهام كل على حسب إمكاناته .
فمنهم من أرسله ليرشد قبيلته ، كالصحابي الجليل أبو ذر الغفاري
رضي الله عنه الذي كان لا يفتأ يجهر بالدعوة إلى الله فيوجعه الكفار ضرباً حتى يفقد وعيه ، ولم يوقفه شيء إلا أن أرسله حضرة الرسولصلى الله تعالى عليه و سلمإلى قبيلته غفار التي كانت من أشرس قبائل العرب في السلب والنهب والسطو على القوافل ، فكان أن وفقه الله وهدى على يديه قبيلته وقبيلة اسلم المجاورة لهم والتي كانت لا تقل عن قبيلة غفار في القتل والنهب .
ومن الصحابة المرشدين من أرسله إلى غير دياره ، كالصحابي مصعب بن عمير الذي الذي اشتهر بأنه أول سفير في الإسلام ،حيث بعثه حضرته  إلى المدينة ، فكان أن وفق في إرشاده في السنة الأولى إلى عدد من رؤساء العشائر اختار منهم أثنى عشر مسلماً قدموا إلى مكة وبايعوا حضرة الرسول الأعظم
صلى الله تعالى عليه و سلمسراً في العقبة ، فكانت تلك أول بيعة في  الإسلام ، وبعد إتمام البيعة سما حضرة الرسولصلى الله تعالى عليه و سلمأولئك المبايعين بالنقباء ، وأعطاهم جميعاً الإذن بالإرشاد إلى طريق الحق والهدى ، فكان أن قدموا من قابل في اثنين وسبعين فارساً من فرسان المدينة وبايعوا بيعة العقبة الثانية ، وأعطوا الأذن بالإرشاد جميعهم .
ومن الصحابة من اقتصر في إرشاده على نفسه وعلى أهل بيته ، كالصحابي عمار بن ياسر
رضي الله عنه .

ولكن ما حقيقة هذه المرتبة في الإرشاد ؟
لقد كان الإرشاد في بداية الدعوة الإسلامية متوجهاً بشكل رئيس إلى أمرين :
الأول : التوحيد ، ونبذ الشرك . ومفتاح ذلك ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .
الثاني : إطاعة الله ورسوله  في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولاً وفعلاً .
وعلى هذا فقد كانت للمرشدين واجبين :
الأول : الإرشاد إلى الدخول في الإسلام .
الثاني : تعليم الذين يسلمون أمور الدين .
وهذا النوع من الإرشاد كان مقتصراً على التبليغ بالموعظة الحسنة ، أي بالكلمة لا بالمعجزة من قبل المرشد . بمعنى أن دور المرشد في هذه المرتبة هو دور النقل فقط دون القدرة على التأثير الروحي في المدعو إلى الإسلام أو الإيمان ، وأما في حالة حدوث خارقة أو تأثير في المدعو إلى الإسلام بين يدي المرشد العادي ، فإن هذا يرجع في حقيقة الأمر إلى قوة المرشد الأعظم الذي يمد المرشد العادي بالقوة الروحية حال الإرشاد ليس إلا .
إن حقيقة التأثير النوراني لحضرة الرسول الأعظم  في الأشياء قد يظهرها على يد من يشاء من المسلمين مرشداً كان أم لم يكن ، والشواهد على ذلك كثيرة : منها ما أخرجه أحمد بن حنبل عن وكيع عن أبيه قال : كنت مع رسول
صلى الله تعالى عليه و سلمالله  ونزلنا بأرض فيها شجر كثير ، فقال لي :اذهب إلى تلك الشجرتين فقل لهما : إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا فذهبت إلى تلك الشجرتين فقلت : أنا رسول رسول الله  وهو يأمركما أن تجتمعا ، فاجتمعتا …ثم قالصلى الله تعالى عليه و سلم :قل لهما تفترقان فقلت لهما فتفرقا (6) .
ومنها ما روي عن ابن بريدة عن أبيه قال : جاء أعرابي إلى النبي  فقال : يا رسول الله قد أسلمت فأرني شيئاً ازدد به يقيناً ،
فقال :
ما الذي تريد ؟
قال : ادع تلك الشجرة أن تأتيك .
قال :
اذهب فادعها .
فأتاها الأعرابي ، فقال : أجيبي رسول الله
صلى الله تعالى عليه و سلم  .
قال : فمالت على جانب من جوانبها فقطعت عروقها ، ثم مالت على الجانب الآخر فقطعت عروقها ، حتى أتت النبي
صلى الله تعالى عليه و سلم، فقالت : السلام عليك يا رسول الله .
فقال الأعرابي : حسبي ، حسبي .
فقال لها النبي  :
ارجعيفرجعت فجلست على عروقها وفروعها .
فقال الأعرابي : ائذن لي يا رسول الله أن أُقَبِّلَ رأسك ورجليك ، ففعل ، ثم قال : ائذن لي أن أسجد لك .
قال
صلى الله تعالى عليه و سلم :لا يسجد أحد لأحد ، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها (7) .
فما حصل في الحديثين الشريفين هو أن حضرة الرسول الأعظم
صلى الله تعالى عليه و سلم

المزيد


من الكينونة إلى الكونية

يناير 16th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

من الكينونة إلى الكونية


شريف هزاع شريف/ باحث في الدراسات العرفانية

التصوف الإسلامي أو العرفانية الإسلامية كما يسميها البعض هي خلاصة التجربة الروحية للإنسان في الوجود وهي محاولة انطولوجيا لفهم الذات او للاتصال بالذات وصولا إلى الاشراقية التي تستشرف الحقائق الكلية من خلال الاستبطان او الانسلاخ عن ظاهراتية الوجود إلى باطنيته المحملة بالأسرار أو المعرفة ، ويمكننا أن نوجز الحركة العرفانية في التصوف الإسلامي بأنها تعنى بالنظر في ملكوت الله والوصول  الذاريات( وفي أنفسكم )إلى دائرة المطلق والكمال (الله) عن طريق النفس  المطمئنة  19 الخارجة من غياهب  الحجب النفسية والشيطانية الكثيرة التي نحملها فوق كاهلنا المتعب بالأنا انه – التصوف -محاولة للانسلاخ عن تلك الهوية المريضة او الخروج من دائرة شيطنة الإنس إلى آدمية الإنسان الأولية وهي العبودية أو مقام وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ الأعراف 172.
التصوف يقظة من تلك الغفلة (غفلة العهد ) الذي أقررنا بوجوده منذ القدم إلا أننا أهملنا دورنا الإنساني مع الله أو لم نكمل الدور الذي علينا إتمامه للوصول إلى  التوافق مع الله . كيف يحدث التوافق ما بين المطلق اللانهائي مع النسبي النهائي المحدود ، أنها فلسفة التصوف في الوصول إلى الله ، المتصوفة تقول علينا الرجوع إلى مطلقية الأمر النفخي إلى عالم التكون الأول ، كيف؟ هو أن نصلح كينونتنا ثم كونيتنا أن نتوافق مع الكون بنسق هارموني فالقيمة الحقيقية للإنسان لم تأتي فقط من خلقه الطيني بل الحقيقة انه يملك قيمة لا تقارن ، بسبب النفخة الإلهية في الطينة العنصرية تلك فالمتصوف يقيم علاقة بين طرفي :-

الخالق ــــــــــــــــــــــــــــ المخلوق
"الكمال والغنى" ـــــــــــــــــ"النقص والافتقار"


وفق معادلة العروج والوصول ، أو السعي للانسلاخ من ماديته المبتذلة الملوثة بالحجب الشيطانية إلى ماديته المكرم بها من الله عز وجل والتي هي في حقيقتها تتويج الهي لإكمال دوره في الحياة الدنيا والمتمثل بالإقتداء بالمنهج ( النبوي) في الحياة والملخّص بـ لا إفراط ولا تفريط في المأكل و المشرب والحاجات الدنيوية الأخرى وهذه القاعدة لا تنطبق على الحياة المادية بل لها الأثر والأهمية عينها في الحياة الروحية ؟! وعدم الالتزام بها يؤدي إلى ظهور نتائج سلبية خطيرة خاصة على المستوى الروحي،قد يكون هذا الطرح فلسفيا يحمل في طياته الحكمة الصوفية العميقة ،لكن حقيقة التصوف هي أن نتوافق مع الله أن نتحد به (بلا حلول و ممازجة كما يفهمه الآخر المليء بالحمق الروحي) إن الاتحاد مع الله لا يعني ممازجة عناصر أو ذوات . . . لسنا آلهة بل يمكن أن نكون رب

المزيد


حوار الروحانيات

يناير 15th, 2008 كتبها أحباب الشيخ التجاني نشر في , مقالات

حوار الروحانيات

جمانة طه
جامعة دمشق / سورية

إن انتهاج مبدأ الغيرية وأسلوب الاهتمام بالآخر والنظر إليه، يسهم في إعادة العلاقات الاجتماعية إلى سدة السلامة وفي تجذير المحبة داخل النفوس البشرية لخلق عالم إنساني جميل. ولا نبالغ إذا قلنا إن محبة الآخر والحوار والتواصل تخلق في النفس قوة سحرية، وإنها تساعدنا على مواجهة تحديات الحياة وتحمل مشاقها واجتياز مصاعبها. أليس الحوار هو الهادي لنا في استكشاف فضاءات إنسانية من الرهافة والصداقة والأخوة ؟
لا شك في أن التطور البشري والتقدم الإنساني هما نتيجة تراكم معرفي تراثي وثقافي وعلمي، أسهم فيه العرب بقسط وافر وبناء حين كانوا في مرحلة سابقة سدنة العلم والثقافة والحضارة. وإذا كان العالم اليوم يعيش آخر مراحل هذا التقدم وهي مرحلة العصرنة التقنية والتحديث العلمي، فهذا لا يعني أنه استطاع أن يتخلص من التشوهات النفسية والاجتماعية وأن يعيش براحة ومثالية. بل على العكس زادت تشوهاته وسقط في بؤرة المادية التي سلبت منه ألق الروح ورهافة الإحساس.
فالتشوهات أصابت إنسان الحضارة الحديثة في عمقه الإنساني حتى تحول أو كاد إلى مخلوق لا يفكر إلا بغرائزه ولا يرى من الحياة غير جوانبها المادية، مما أدى به إلى انتهاج أسلوب الحروب والدمار، فما إن يخرج من حرب حتى يدخل في أخرى. لذا نرى أن العالم من شرقه إلى غربه وعلى مختلف انتماءاته يعاني في هذه المرحلة من غياب القيم والأخلاق الإنسانية.
ونحن اليوم في العالم العربي أشد ما نكون حاجة إلى تمثل تراثنا الروحي واستنهاض المحبة في قلوبنا والحياة في أرواحنا. ولا سيما أن همجية الحروب المنظمة المزودة بالسلاح وبالإعلام وبالاقتصاد، تتناوشنا، تغزونا، وتحاول تخريب التراث وتهشيم الكبرياء وطمس الهوية والنيل من المعتقدات الدينية.
جاء في تاج العروس : الحوار في اللغة هو حديث يجري بين شخصين أو أكثر. والتحاور هو التجاوب، والحواريّ هو الحميم الناصح. ويمكن أن نضيف إلى هذه المعاني معنى آخر هو المعرفة، وذلك استدلالا من الحوار الذي بدأت الدعوة الإسلامية به، أي حوار جبريل مع النبي صلى الله تعالى عليه و سلموقوله له : اقرأ. أما الروح، فهي جمع أرواح : ما به حياة الأنفس، يذكر ويؤنث. والنسبة روحاني. يقول الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. (متفق عليه).
والروحية : تقابل المادية، وتقوم على إثبات الروح وسموها على المادة. والروحانيات تمثل نوعا من العلاج لمعاناة البشر وآلامهم، تقدم لهم الدفء وتشعرهم بالأنس والمودة. من هذه الترجمة البسيطة نخلص إلى أن الروح هي روح الخلق والحياة، وثمارها : "المحبة والفرح والسلام والأناة واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والعفاف." 5 غلاطية : 22-23.
إن من يمعن النظر في ثمار الروح يستطيع أن يجملها بكلمة واحدة هي الجمال. فمن يملك روحا جميلة، وذاتا متحضرة لا بد أن تكون دواخله عامرة بالمحبة والإيثار والفرح والسلام واللطف والصلاح والعفاف. قد يتعذر على الباحث أن يحدد البدايات الأولى للحوار، لكن ليس من المتعذر عليه أن يتوصل إلى أن الحوار كقيمة إنسانية موجود بقوة في تراث الحضارات العالمية والديانات الوضعية. فبوذا على سبيل المثال، اتبع أسلوب المحاورة في نشر تعاليمه، وكان محبا للسلام ومتحمسا له. يدعو إلى ردّ السيئة بالحسنة والكراهية بالحب، وإلى إزالة الشر بالخير والتغلب على الغضب بالشفقة، ويزورُّ عن غلظة المعاملة ازورارا. وكان يرى أن النصر يولِّد المقت، لأن المهزوم في شقاء والكراهية لا تزول بكراهية مثلها، ولكنها تزول بالحب.1
وقد حض بوذا الإنسان على أن يحب كل كائن حي، حبا لا يرجو من ورائه غاية غير الحب. فإن هو فعل ذلك صار قريبا من نعيم النرفانا. والنرفانا هي حالة روحية تعني صفاء الروح واطمئنانها، تدعو إلى التخلي عن الغايات الشخصية التي تهبط بالحياة وتملؤها بالهم والشقاء. ولا يصل أحد إلى النرفانا إلا إذا انمحت ذاته من تفكيره. فكلما سار الإنسان خطوة في إنكار نفسه دنا منها، وكلما حصر تفكيره في نفسه بعد عنها. وكل ما في الحياة من ألوان الهم والشقاء مصدره الأنانية التي لا تشبع، وهذا العذاب الأليم الذي يشقى به الناس مرده إلى الأثرة الطامحة والشهوات الجامحة.2
وفي التراث المصري القديم، يوصي الحكيم بتاح حوتب ابنه بممارسة الحوار لما له من أهمية في التربية، فيقول : "إن الولد المطيع، عندما يتقدم في السن ويصل إلى درجة من الهيبة والاحترام، فإنه سيحاور أبناءه بنفس الطريقة التي تحاور فيها مع أبيه. والطفل الذي يحاور أهله، سيتحاور هو وأولاده". ويدعوه إلى أن يكون متواضعا ولا يتشاوف بمعارفه على الآخرين : "لا تدع قلبك يمتلىء عجبا وغرورا بسبب معارفك، خذ المشورة من الجاهل والحكيم على السواء. إن الكلام الطيب أكثر استتارا من الزمرد، ولكن يمكن العثور عليه مع الخادمات عند حجر الطاحون". في حين يوصي خيتي الثالث ابنه خيتي الرابع، بأن يكون رحيما كي يحبه الناس : "من الخير لك أن تكون رحيما. اجعل وكدك أن يقيم لك الناس تمثالا من الحب في قلوبهم. فإن فعلت فسيذكرون لك جميلك، ويدعون لك بالصحة وطول العمر".
في البداية وجد الإنسان صعوبة في اللقاء مع الآخرين، وفي معالجة القلق والخوف وإرساء قواعد سلامية تؤمن ديمومة التلاقي، خارج دائرة الصراع والتناحر ومنطق المحاذرة من الآخر للحفاظ على الذات. ومع الأيام أدرك أنه لا يستطيع أن يعيش بنفسه بعيدا عن غيره، أو بعيدا عن التواصل معه. وأدرك أيضا أن قضيته الكبرى تُختصر مع تشعباتها وتعقيداتها في مسألة واحدة:السلام. السلام مع الذات، والسلام مع الآخرين كشرط أساس للحصول على نوع من السعادة النسبية.
وإذا كانت الحضارة البشرية هي نتاج إبداع الإنسان، فإن المحبة الإنسانية هي خلاصة التعاليم الدينية. قال الرسول صلى الله تعالى عليه و سلم: إن من عباد الله أناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله عز وجل.
فقال رجل: من هم، وما أعمالهم

المزيد

التالي